من وليمة الفداء الى عرس التطويب

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1729

من وليمة الفداء الى عرس التطويب

توما وليونار هدية قداسة لوطن القديسين

 

إنَّهم العُراةُ الموسومون بِعُري معلِّمهم عُريًا قدسيًا خلاصيًا مصلوبًا آنًا على خشبةِ مِزودٍ ميلاديٍّ وأوانًا على خَشبَةِ صَلبٍ آلامييٍّ وزمنًا على رملِ صحراءٍ قصيَّةٍ. فالشرقُ الظلاميُّ العاري من النّورِ المُدجَّجِ بالديجور ما زال يمتهنُ رَجمَ الأنبياء وإعدامَ المُرسَلينِ إلى إنارة مصابيحهِ. فالشرائعُ المُنزَلَةُ الجامدةُ كالجلمود صَمَّاءٌ صَمَمًا خاويًا مِن كلِّ سَمَعٍ لأصوات المُبَشِّرين، عمياءٌ عُميًا ضَالاً عن رؤيا بهاء مُحيَّا الطريقِ والحقِّ والحياة!

إنَّهم المُختارونَ مُذ تكوَّنوا في أحشاء أُمَّهاتِهم لأن يُولَدوا بأجسادِ رُضعاءٍ تنمو فيهم يومًا بعد يوم هامةُ جُلجُلةٍ شهاديَّةٍ خَرَزاتِ عمودِها الفِقَريِّ والفِكريِّ، هيَّ ذاتُها خَرزاتُ دَربِ رَجُلِ الأوجاعِ المضروبِ بالعاهات مِن دروسِ أوَّلِها حتى شهادة رابعِ عشرها  وإنَّ أرواحهَم السُّميا مُخضَّبةٌ بمعموديَّةِ ميرونٍ ممزوجٍ بصلواتٍ وجيعةٍ مُضرَّجةٍ بعرق ودمِ السَّاهرِ وحيدًا يُلوِّعُ قلبَ آبِه السماوي بنداء إستغاثتِه :»يا أبتِ أَجِز عنّي هذه الكأس لكن لتكُن مشيئتِكَ لا مشيئتي»!

لهما سجَّلات قيدُ نفوسٍ سَجَّلَت على أسميهما تذكرةً جوهريَّةً لا مثيل لها إلاَّ هويَّةُ الوجهِ المطبوعِ طبعةً مُدمَّمةً على صفحةِ منديل فيرونيكا أميرة صبايا أورشليم تذكرةً مختومةً بطلبةِ رفع القرابين ذات النسخة الآراميَّةِ: «أَبو دقُوشتو هو بْروخ دِبْحو دامرَعيه لوخ»، أو يا أبا الحَقّ هوَّذا أبنُكَ ذبيحةً تُرضيك!

مَرَّ عليهما في بلادِ بَرِّ الأناضول والسلاطين العُتاة يسألهما نَفسَ السؤال الذي أيقظَ فيه تلاميذه الحزانى النيام الخائفين المُحبَطين :»هل تستطيعانِ أن تسهرا معي ساعةً واحدةً»؟ ففاجأه الراهبان البعبداتيّان المقدامانِ بهذا الجواب :»الشرقُ بأكملِه وأظلمِه وأجرَمِه هو بستانُ جسمانيَّتِك يا رب وليلةُ خميس أسرارِك سنخوضُها معكَ جَنبًا إلى جَنْبٍ، ونهارُ جمعتِكَ العظيمة سنكسبُها برفقتِك صليبًا إزاءَ صليبٍ، والقلبان فينا مضطرمانِ بوخزِ المسامير، وأفواهنا مُتلهِّفةٌ في وليمةِ عرس الفداء العظيم لتذوُّقِ طعمِ أجاجينَ مُترَعةٍ حتَّى الشَفَّةِ بطيوب الخَل والمُر»!

جريس حنا طنّوس البعبداتي المولود 3 نوّار 1879 هو الإبنُ الخامسُ من عائلةٍ مُباركةٍ مُكوَّنةٍ من ستَّةِ أبناءَ هو الراهب الكبّوشيّ البعبداتيّ الشهيد الأب توما صالح.

يوسف حبيب عويس ملكي البعبداتي المولود أوائل تشرين الأول 1881 والإبنُ السابعُ لعائلةٍ بعبداتيَّةٍ مباركةٍ مُكوَّنةٍ من إحدى عشر إبنةً وابنًا هو الراهب الكبّوشيّ الشهيد الأخ ليونار عويس ملكي.

مِن مَتنِ صنين والأجراس والصَّنوبرِ، مِن مَتنِ آياتِ الكنائس والبيوت المعقودةِ بالحَجَر المقصوبِ كدُرَرِ الأيقونات، من متنِ مطبعةِ دير الخنشارة وأفذاذ الفكر والشعرِ والفلسفة والتاريخ والعلم، نَزَلَ خيار الربِّ على زينةِ شباب بعبدات جريس طنّوس صالح ويوسف حبيب عويس ملكي ليُزيَّنَ بهما لاحقًا بيعةَ المُعترفين والشهداء.

ليس لأنَّ الدير القريب لا يشفي إختارَ اليافعين المدعوّين قرار الإنتماء إلى الرهبانيَّةِ الكبّوشيَّةِ رحيلاً عن أديار لبنان ووجهتهما إكليركيَّة الكبّوشيين الصُّغرى سان ستيفانو جوار أسطنبول لينتقلَ إسم جريس صالح العلمانيّ إلى إسم توما صالح الرهباني واسمُ حبيب عويس ملكي العلماني ليونار الرهباني!

إختار الباسلان البعبداتيّان ديرهم البعيد لأجلِ أن يشفيَ خيارُهم الفدائي المحفوف بالمخاطر دروب التبشير مِن أيِّ مُبشِّرٍ يخشى ويرتعدُ أن يحملَ كلمة خلاص النفوس خشيةَ أن يُعَيَّر بذات التعيير الذي تعيَّرَ به المُعلَّقُ على خَشَبَة :»خلَّص نفوسًا كثيرةً ونفسه لم يستطع أن يُخلِّصها»!

الراهب توما صالح والراهب ليونار عويس ملكي مَن أوحَى لهما التَّغرُّبَ الأبدي عن بلاد أبويهما وأجدادهما وحارات طفولتيهما وشبابهما لأجل أن يكسبا أشواط المسيح والمسيحانيَّة في شبهِ قارَّةٍ عثمانيّةٍ أسقطَ أسوارها المسيحيَّةِ سعيرُ خلافِ لاهوتيي بيزنطيا وسائر القسطنطينيَّةِ على ذكوريَّةِ الملائكة وأنوثتِهم؟!

الراهب توما والراهب ليونار انطلقا إلى الممالكِ العثمانيَّة من صوت ملاك الرب ليوسف :»قم خذا الصبيِّ وارحل به إلى مصر فإنَّ هيرودس يُريدُ إهلاكه».

توما وليونار تولَّيا عن يوسف الأمين حماية «الصبي» ليس هربًا الى أرض النيل بل إقدامًا إلى بلاد ما بين النَّهرين دِجلةَ والفرات ليهلكا هما بدلاً منه، والصبي يسوع لا هيرودسُ يتمكَّنُ من قتلِه طالما هو ساكنٌ أجساد الشهداء!

بين ماردين وأورفا وخربوط وديار بكر تنقَّل الأب توما والأخ ليونار ينضويان تحت راية بولس رسول الأمم «الويلُ لي إن لم أُبشِّر»، فاستعادا أيام جولات المعلم يسوع  في أرض الجليل والسّامرة والكرمل وكفرناحوم وبيت فاجي وصور وصيدا، وكُلِّ تخوم «الشعب الجالس في الظلمة المُنتظِر أن يُبصِرَ نورًا عظيمًا»!

الأب توما والأخ ليونار حملا عزاءَ ينابيع الماء والنور إلى عطاشِ الجسدِ والعقل والروح بكلمة الرَّبِ ورائدُهم مزمور الإبتهال الآثر : «كلمتُكَ مِصباحٌ لخُطاي ونورٌ لسبيلي».

إشتمَّ ذئابُ السلطنةِ والهيرودسيّةِ أخطار النور السماويّ الكاشف الذي يجهدُ الراهبان الآتيان من لبنان أن يكشحا به العتمات المديدة لأجل أن يُضيءا رعايا وأبرشيات شعب الخلاص بضياء حرية أبناء الله. فتمَّ القبضُ على الأخ ليونار ملكي يوم 5 حزيران 1911 حيثُ تمَّ التنكيل المُريع به لستَةِ أيامٍ بنهاراتها ولياليها. ولمّا لم يظفروا منه بكلمة إسترحامٍ واحدة وعبارةَ تَوسُّلٍ، نفوه على رأس مجموعةٍ مؤلَّفةٍ من 411 محكومًا بالأيام الشاقة، فساروا حُفاةً سيرًا على الأقدام المُجرَّحةِ حتى ديار بكر يُنيرُ دروبهم الصلبانية الطوباوي الأسقف أغناطيوس مالويان مطران الأرمن الكاثوليك على أبرشية ماردين. وأمّا الأب توما فقد تمَّ اعتقالُه يوم 4 كانون الثاني 1917 وإعدامه يوم 18 كانون الثاني 1917، لينال قُدسيَّةَ الإكليل الذي تزيَّن به أخاه الأخ ليونار، اللذين بعد طول إقناعٍ بالجحود ثم التهديد والوعيد والتنكيل لم يظفرا من بَطَلَي المصلوب إلاَّ جواب بولس لقاطعي رأسه حين نضجَ موسمُه لقِطاف السيّف :»حياتي هي المسيح والموتُ رِبحٌ لي»!!

لم يكتفِ الوحوش بما إرتكبوه وسفحوه وافترسوه، فأقدموا على تعرية أجسادِ بَطلَي مصلوب بلاد ما بين النهرين ودفنِهم تحت نبشِ الرملِ فتُخفى حياتهما طمرًا في باطن الأرض كما يونان في بطن الحوت، لكنَّ لا سلطان مهما تعالى وبطش وتجبَّر لا يُمكِنُه أن يخترقَ ذاكرة قدّوس القديسين التي كشفت عن مكان طمر رَجُلَيهِ اللبنانيَّين الكبّوشيَّين المُخضَّبينِ بدم الحمل ألأب توما صالح والأخ ليونار عويس ملكي!

 

طوباويَّينا البعبداتيَّين

من المباركة بعبدات إلى يانوح وإيليج وقنوبين ودير مشموشة ودير قبيع ودير مار جرجس عشاش ودير جنين وزحلة ودير القمر ودير الأحمر ووادي النصارى وسيفو وماردين وأرمينا المقدَّسة، من أرارات إلى ناغورني كارباخ، خطُّ واحدٌ يسلكُه جميع المدعوين لتكون أعناقُهم شهادةً لأبرشيات شعب الجمعة العظيمة وسبت النور وأحد القيامة وشهادةً للأمم على ترنيم رؤيا يوحنا :»هؤلاء هم الذين أتوا من الضّيق الشديد وغسلوا حُلَلَهم وبيَّضوها بدم الحَمل»!

توما حنّا صالح البعبداتي ليونار حبيب عويس ملكي البعبداتي، إنَّ أقدس وأسمى وأسنى هديَّةً تتلقيّانها ويتلقَّاها معكما لبنان في يوم إعلان طوبايتكما هيَّ مقطعٌ أفراميٌّ من وصيّة أميرِ شعراء السماء والبيعةِ الجامعة الرسوليّة وبلاد ما بين النهرين أفرام الإلهي السرياني أوصى به تلاميذه قُبَيل انتقالِه إلى مساكن الآب والإبن والروح وحبيبتِه العذراء أم الله :»أيُّها الأخوة، لا تضعوا جثمان جسدي قُربَ أضرحةِ الشهداء لأنّي لا أستحقُ مجاورتَهم وأخشى الإقتراب من عِظامهم» !!!

الأب توما صالح

– هو جريس حنا طنوس صالح.

– والدته أمانة جريس مرعي  من بعبدات.

– مواليد 3 نوار  1879.

– 21 نيسان 1899 دخل إكليركية الأخوة الأصاغر الكبوشيين سان ستيفانو جوار أسطنبول.

– 2 تموز 1899 لبس ثوب الإبتداء.

– 2 تموز 1900 نذر نذوره الرهبانية الأولى.

– 2 تموز 1903 نذر نذوره المؤبَّدة.

– 4 كانون الأول 1904 تمت سيامته كاهنًا.

– إستلم إرسالية بلاد ما بين النهرين مع الأخ ليونار 23 نيسان 1906.

– 4 كانون الثاني 1917 تم إلقاء القبضِ عليه.

– 18 حزيران 1917 نال إكليل الشهادة!

الأخ ليونار عويس ملكي

– هو يوسف حبيب عويس ملكي من بعبدات.

– والدته نورا بو موسى كنعان يمين من بيت شباب.

– مواليد أول تشرين الأول 1881.

– 28 نيسان 1899 دخل إكليركية الأخوة الكبوشيين الأصاغر سان ستيفانو جوار أسطنبول.

– لبس ثوب الإبتداء 2 تموز 1899.

– نذر نذوره الأولى 2 تموز 1900.

– نذر نذوره المؤبدة 4 كانون الأول عام 1904.

– 5 حزيران 1915 تم اعتقاله، وبعد ستة أيام تم نفيه يوم 11 حزيران مع قافلة الطوباوي المطران أغناطيوس مالويان.

– نال أكليل الشهادة بماردين 11 حزيران 1915.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل