#adsense

ليس مسموحاً الاستمرار بشريعة الغاب

حجم الخط

بعدَ ما وُزِّعَ من إشاعاتٍ عَقبَ الانتخابات النيابية، وما جرى من تَسييبٍ للحقِّ في الاستحقاق البرلمانيّ، هل نُدينُ النّاسَ إذا شعروا بأنّهم لا يزالون مُعلَّقين على وَتَرٍ ضعيفٍ فوق هاويةِ جهنَّم، وأن يَنتابَهم البَشِعُ من الظّنون؟  فهم رَأوا، في لحظةِ الحقيقة، التِفافاً على مطلبِهم بغَدٍ واعِد، وبوطنٍ حُرٍّ لأجيالِهم، ولمسوا تَسطيحاً لفكرةِ الدولةِ القادرة، المُستقِرّة، والتي لا يكون مفهومُ السيّادةِ، فيها، مفهوماً مائعاً.

لقد ظنَّ الشّعبُ أنّ الانتخابات أفرزَت سلطةً له، وليس للعُروش، وأنّها انتقلَت به من مجرَّدِ رعايا مُطيعين، ليُشهَدَ له بمنزلتِهِ المدنيّةِ والسياسيّة، حسبَما تنصُّ المبادئُ والقوانين. وقد ظنَّ، أيضاً، أنّه القوّةُ الضّاغِطةُ في الشّأنِ الوطنيّ، والتي تصنعُ القرارَ المُتَميِّزَ عن كلِّ تَبَعيّة، ما يُغلِقُ البابَ أمامَ أيِّ مغامرةٍ تتربَّصُ بالهويّة، سَطواً على مقدِّراتِ البلدِ لارتهانِه، واستباحةِ كيانِه.

في الواقعِ الملموس، حتى السّاعة، لم تُقلَبِ الموازين، ولن تُقلَبَ إذا استمرَّ البكاءُ على الأطلال، ولم يَتَداعَ الساديون الى إعلانِ قيام جبهةٍ تنادي بالقضايا التي تشكّلُ إستراتيجيا المواجهة، غيرَ آبيهن بالتّهديد، والاستقواء، ورفعِ الإصبع. أمّا القضايا الثَّوابت، فهي مشروع قيام الدولة القادرة، وإمساك القوى الشرعية بمسؤولية الأمن والدّفاع والتفرُّد باقتناء السلاح، وبسط سلطة القانون على كامل مساحة الوطن، وامتلاك الحكومة، حصريّاً، قرار السِّلم والحرب. وهذا لا يعني، أبداً، أنّ الاهتمام بحاجات النّاس، وضروراتِ الحياة الكريمة لهم، معيشيّاً، واقتصادياً، واجتماعياً…ليس في صُلبِ الأولويّات، لكنّ المعادلة، في مسألة أيِّ أولويّة ينبغي أن تتقدَّمَ على نظيرتِها، هي التي تشكّل أساسَ الخلاف بين المُقارِبين. وهنا، يُطرَح السؤال: إذا تحقّق مشروع الدولة السياديّة، ألا يستتبعُ ذلك، موضوعيّاً، وتلقائيّاً، حلُّ القضايا المعيشيّة وما يتعلَّق بها ؟؟ أمّا إذا سلَّمنا مع الدّاعين الى البدءِ بالمسائلِ الحياتيّة، واضِعينَ، جانِباً، قضيةَ الوجود، فهل يستطيعُ حَلُّها تأمينَ دولةٍ حُرَّةٍ بكلِّ خصائصِها؟

لمّا كانت الدولةُ هي المُحرِّكَ الأساس لتنفيذ متطلّبات التطوّر، وتأمين النّقلة النوعيّة الى مجتمعٍ راغِدٍ، وناضجٍ، وحديث، ومنفتِح، وهي المسؤولةَ عن رَفعِ مستوى المعيشة، وتحسين الأداء الاقتصادي، وتوسيع رقعة الحريّات، وتعزيز المشاركة في صناعة القرار، لذلك، وقبلَ الانخراط في المشاحناتِ غيرِ المُجدِية، وفي صراعاتٍ شَعبَويّةٍ تعمِّقُ الشُّروخ، وفي تصادُماتٍ تُشتِّتُ الانتباه الى القضايا المصيريّة، ما يوسِّعُ المأزقَ الذي يُرخي بثِقَلِهِ فوق عُنقِ الوطن، يجبُ الالتفاف حولَ نهجٍ يلتزمُ بِخَطٍّ بيانيٍّ واضح، يُطيحُ بالوضعِ السياسيِّ السّائد، ويؤدّي الى تحوّلاتٍ رئيسيّةٍ في البُنى الوطنيّةِ والسياسيّة، وفي مقدِّمِها شروعُ قيامِ الدولة.

من هنا، وبالرَّغمِ من ادِّعاءِ بعضِهم بأنّ الأكثريّةَ التي كانت سائدةً في عهدِ البرلمانِ البائد، لمّا تَزَل هي نفسها في عهدِ البرلمانِ الجديد، فإنّ هذا البعضَ يغفلُ عن أنّ النّسيجَ النِّيابيّ الذي خاطَه الشَّعبُ في الانتخابات الأخيرة، يتضمَّنُ خُيوطاً ذاتِ حيثيّةٍ مختلِفة، إنْ في الرّؤيةِ السياسيّة، أو في النَّهجِ والأسلوب، أو في التطلُّعِ الى حلولٍ مُجدِيَةٍ على مستوى الوطنِ، والدولةِ، وقضايا النّاس…وهي حُلولٌ تائِقةٌ الى الأَفضَلِ والأَعدَل. بمعنى أنّ هذه الشّريحةَ من الوجوهِ الجديدة، والتي تَمثُلُ، وللمرّةِ الأولى، تحت قبّةِ المجلس التّشريعيّ، مُتَأَبِّطَةً بدائلَ، ومفاهيمَ جديدةً، تشكّلُ برنامجاً إصلاحيّاً، وتغييريّاً، يمكنُ اعتبارُها أركانِها، وهم المستَقِلّونَ، صدمةً إيجابيّةً بمدلولاتِها الوطنيّة، والسياسيّة، والحقوقيّة.

هذه الشّريحةُ الجديدةُ ليسَت، ولن تكون، بحالٍ من الأحوال، بروازاً جديداً لصورةٍ قبيحةٍ قديمة. ولكن، على أركانِها أن يتنبّهوا لِأَمرَين هما: إنّ السلطةَ التي لمّا تزلْ قائمة، والتي لا تزالُ تمارسُ الظّلمَ، والفساد، والاستبداد، والقهر، والمحاصصة في الصّفقاتِ المشبوهة، والمستقويةَ بقبضةٍ حديديّةٍ معروفة، ستكون لهذه الشّريحةِ بالمرصاد، إنْ ترهيباً، أو ترغيباً، أو بوضعِ العِصِيِّ في طريقِ برنامجِها، وسوف تلجأُ الى تقويضِ تطلّعاتها بشتّى الوسائلِ والطُّرُق. لذلك، يقتضي الوَعيُ الإلزاميّ، والمَضِيُّ بالمواجهةِ أيّاً تكنِ المُعتَرِضات، والاستمرار بالسَّعيِ لتحقيقِ اللّحظةِ الفارِقَةِ في تاريخ لبنان.

أمّا الأمرُ الثاني، فإنّ إستراتيجيةَ التّغيير واستعادةِ الوطنِ من ناشِليه، لن يُكتَبَ لها الوصولُ الى غائيّاتِها من دونِ تَشارُكِ القوى السياديّةِ، جميعاً، في هذا النّهج. وعليه، فإنّ التّضامنَ، والتّلاقي، والعملَ المُواجِهَ في جبهةٍ واحدةٍ، ضمنَ خارطةِ طريقٍ مُمُنهَجَة، هو المشروعُ البُنيَوِيُّ النّاجحُ للحَؤولِ دونَ الاستمرار بِسَبيِ البلد، بكيانيّتِه وهويّتِه، وهو الطّرحُ النّاجِعُ لاستعادةِ حقوقِ النّاس، وهو إمكانيّةُ الاختراق الوحيدةُ لمفاصِلِ السلطة، لخَلخَلتِها، وإعادةِ تَدويرِها لإنقاذِ لبنان، بانتشالِهِ مِمّا يتخبّطُ به، فيسودُ مناخُ الحريّةِ، والكرامة، والعدالة، والتَّشارُك.

ما هَمّ، إنْ لم تكونوا الأكثريّة، في الحقيقةِ أمْ زُوراً، فكونوا المعارَضةَ البنّاءَة، المُوَحَّدَة، الهادِفة، ذاتِ المصداقيّة في المُواجِهةِ التي لا تَسقطُ بفِعلِ التّهويلِ، أو الإغراء، وعندَها، فقط، يُرفَعُ التَّفخيخُ عن أرضِ الوطن، وتُرَسَّخُ مواصفاتُ السيّادة، وتُبنى دولةٌ غيرُ خاضِعة، وغيرُ مُنتَهَكَة، لتُعَزَّزَ صورتُها المسؤولةُ عندَ مواطِنيها، ليتمتَّعوا، بها، ومعها، بحقِّهم بالعَيشِ الكريم.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل