
“المفاوضات لترسيم الحدود البحرية لا تزال مستمرة، وبالتالي فإنّ أي عمل أو نشاط في المنطقة المتنازَع عليها يشكّل استفزازاً وعملاً عدائياً… “هكذا علّق رئيس الجمهورية ميشال عون على المعلومات الواردة عن دخول سفينة وحدة إنتاج الغاز الطبيعي المُسال وتخزينه “إنرجِن باور” ENERGEAN POWER المنطقة المتنازَع عليها في الحدود البحرية الجنوبية، قبل أن يُجري اتصالات مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي وعدد من المعنيين للبحث في هذه التطورات. كما طلب من قيادة الجيش تزويده بالمعطيات الدقيقة والرسمية”ليُبنى على الشيء مقتضاه”…
الجميع في لبنان بات مُدرِكاً أن ساعة حقيقة الثروة النفطية قد دقت مع وصول باخرة الإنتاجFPSO Energean Power الى حقل “كاريش” الواقع ضمن مياه إقليمية بقيت في خانة “المتنازَع عليها” بعد توقف مفاوضات الترسيم مع إسرائيل مطلع العام.
ورصد لبنان كما دول العالم، تحرّكات سفينة التنفيب منذ انطلاقها من سنغافورة، وعبورها قناة السويس، ووصولها إلى المياه الإسرائيلية. فهل تعتبر السلطة السياسية حقاً أنها قادرة على حفظ حقوق لبنان ببيان خالٍ من أي ردّ واضح على عرض الموفد الأميركي آموس هوكشتاين؟ علماً أن البيان خلا من “رفض” لبنان، مكتفياً بدعوة “الولايات المتحدة إلى الاستمرار في جهودها لاستكمال المفاوضات لترسيم، وفقاً لاتفاق الإطار، بما يحفظ مصلحة لبنان العليا والاستقرار في المنطقة”. وهل تعتبر أن بالصمت وعدم تعديل المرسوم 6433 الذي بقي وثيقة في قصر بعبدا ولم يبلغ أروقة الأمم المتحدة، على الرغم من تأكيدها أن “كاريش” منطقة متنازَع عليها، وتتبنى طروحات الوفد اللبناني في المفاوضات أي اعتماد الخط 29 خطاً تفاوضياً على الحدود البحرية، ويحذّر إسرائيل من أي تحرك لاستغلال الغاز والنفط في هذه المنطقة؟
ليس تظلماً القول إن السلطة السياسية التي أسقطت لبنان في جهنم أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة ذي ارتدادات طويلة الأمد، غارقة هذه الأيام بما هو أهم: مرحلة إعادة التموضع الجديدة التي أفرزتها الانتخابات النيابية، استعداداً منها لاستحقاقات دستورية “أعظم” تكفل لها ديمومة الحكم!
سفينة التنقيب FPSO وصلت إلى “كاريش”، ولبنان الرسمي في “غيبوبة” الاستحقاقات الدستورية. غاب الموقف الموحَّد من الملف النفطي. سقطت المحاذير، ومعها سقطت حقوق لبنان التي بنيت على دراسات القانون الدولي، وقانون البحار ومبادئ الأمم المتحدة… الاعتراض في الداخل لا ينفع. كيف السبيل إلى حفظ حقوق لبنان في ثروته النفطية المختزنة في مياهه الإقليمية؟ لا جواب حتى الساعة، لكن مصير الاستهمال والتمهّل والإغفال أكثر من أكيد، والغد “غير المشرق” لناظره قريب.
الخبير في شؤون النفط الدكتور ربيع ياغي يأتسف لِـ”كَون الدولة اللبنانية في حالة “غيبوبة”، وإسرائيل تغتنم هذه الحالة لتتقدّم في أنشطتها النفطية”.
ويرى، في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “مفاوضات ترسيمالحدود البحرية “لعبة” استعملتها إسرائيل، أكثر مما استفاد منها لبنان الذي أبدى حسن نيّة خلال المفاوضات، فيما إسرائيل لم تكن جديّة فيالموضوع، بل استخدمتها كعملية لكسب وقت ونجحت في ذلك”.
وإسرائيل “سبقتنا بنحو 15 سنة في موضوع التنقيب عن النفط والاستكشاف والاستخراج والتسويق والاستهلاك… واليوم للأسف طوّرت حقل “كاريش” المتنازَع عليه وستبدأ بالإنتاج التجاري”.
ويُشير في السياق، إلى أن “باخرة الـFPSO هي فقط للبدء بعملية الضخّ التجاري والتخزين على متن الباخرة، من ثم الضخّ بواسطة الأنابيب في اتجاه المرافئ الإسرائيلية وتحديداً مرفأ حيفا، على أن يتم لاحقاً التوزيع على المستهلكين”.
ويعتبر ياغي أن “إسرائيل كسبت “أفضلية” في هذه الفترة من حالة انعدام الوزن التي تعيشها الإدارة اللبنانية وسياستها والواقع اللبناني المُزري، وتمضي في تقدّمها في الإنتاج النفطي، فيما نحن نعلم أساساً أن إسرائيل معتدية بغضّ النظر إن كانت معتدية على 800 كلم2 أو على 2300 كلم2، إنما تمارس الاعتداء على مياهنا الإقليمية منذ العام 2010 عند توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية ما بين قبرص وإسرائيل بحيث تمت عملية القرصنة ولا تزال مستمرة إلى اليوم، متخطية القوانين الدولية… أما السلطة اللبنانية فكانت ردّة فعلها بطيئة دائماً، إن في اتجاه الأمم المتحدة أو الشركات العاملة في الأنشطة النفطية في شمال إسرائيل، من دون أن تحاول الدولة اللبنانية إرسال أي إنذار على الأقل لهذه الشركات تنبّهها إلى أن هذه المناطق متنازَع عليها”.
