فاشلون وأقوياء في “موت دولة”

 

ليس إمساك “محور الممانعة” بإدارة المجلس النيابي من موقع الأقلية سوى “بروفة” لما ينتظرنا في مسألة الحكومة والرئاسة. والأساس هو التصرف كأن الإنتخابات النيابية مجرد موسم تعود اللعبة بعده، مهما تكن النتائج، الى الشغل من خارج الدستور بعد الهيمنة باسم الدستور. فلا خيار اسمه التعطيل في إعادة تكوين الإدارة البرلمانية. أما في تأليف الحكومة وإنتخاب رئيس للجمهورية، فإن الخيار هو الإستحواذ أو التعطيل. والإشارات تتكرر يومياً. أقل ما يقوله المتسلطون بدم بارد للناس التي دفعوها الى “جهنم” هو: إبقوا هناك، فنحن منشغلون بأمور أخرى ولا حكومة ولا رئاسة إلا إذا جرى التسليم بالسلطة للفاشلين والفاسدين والمطلوبين للتحقيق والمعاقبين. وأعلى مراتب الوهم رهان الأبرياء على أن يصبح الفاشلون في ملف الكهرباء وسواه قادرين على إدارة الملف البالغ الأهمية، وهو ثروة لبنان من الغاز والنفط في البحر.

 

في كتاب جديد تحت عنوان “موت دولة” تقول تانيشا فازال أستاذة العلوم السياسية في جامعة مينيسوتا: “أي دولة تفقد السيطرة على سياستها الخارجية لمصلحة دولة أخرى تصبح عاجزة عن العمل بإستقلالية على المسرح الدولي، وبالتالي يبطل كونها دولة نفسها”. ولبنان فقد السيطرة، لا فقط على سياسته الخارجية وقرار الحرب والسلم بل أيضاً على سياسته الداخلية لمصلحة دويلة مرتبطة بدولة إقليمية، كبديل من السيطرة السورية. وهو يطلب المساعدة والتدخل من أميركا وفرنسا وإيران والسعودية ومصر ودول عدة أخرى، ويربط قصة الحكومة والرئاسة بالتفاهم الخارجي. وهو بهذا المعنى “دولة ميتة” لا مجرد دولة فاشلة.

 

ألم تُضع السلطة زمناً طويلاً في الخلاف الداخلي، وطبعاً في الخلاف مع إسرائيل على ترسيم الحدود البحرية؟ هل كانت الخلافات الداخلية فنية علمية أم جرت إدارة العلم في خدمة أهداف سياسية وشخصية؟ أليس ما طلبناه وترددنا في التعامل مع دوره ثم عدنا الى طلبه من جديد هو الوسيط الأميركي الذي يطمح “محور الممانعة” الى إخراج دولته كلها من لبنان والشرق الأوسط؟ أليس من يتولى التهديد المتبادل مع إسرائيل هو “حزب الله” لا السلطة؟

 

في بلد مسروق وشعب منهوب يؤتى الى السلطة بالأثرياء الكبار أو بالذين يصيرون أثرياء. والأثرياء هم بطبائع الأمور قلقون وخائفون دائماً، لكنهم فقراء أو تحت خط الفقر في الشجاعة. وقمة البؤس السياسي أن تجد دول العالم نفسها ومعها الأمم المتحدة مضطرة لدعوتنا الى الإسراع في تأليف حكومة والحرص على إنتخاب رئيس في الموعد الدستوري، في حين أننا نفاخر بالألاعيب والوقاحة في فن التعطيل. وقمة الإستعلاء أن يتصرف الفريق المرتبط بمشروع إقليمي معاكس لمصلحة لبنان العربي على أساس أنه الوكيل الحصري للوطنية اللبنانية، وموزع رتب الوطنية على من يمشي معه وتهم الخيانة على خصومه.

 

كان فريديريك الكبير يقول: “ديبلوماسية بلا قوة مثل الموسيقى بلا آلات”. لكن الوجه الآخر لهذه المشكلة هو قوة بلا ديبلوماسية. قوة خارج الشرعية، وديبلوماسية لتغطية تلك القوة.

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل