ماذا وراء الجدل في شأن الاتفاق على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل؟

حجم الخط

 

الجدل الذي نشأ في لبنان حول تنقيب إسرائيل عن الغاز في حقل “كاريش” في غياب اتفاق على ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، ليس مستغرباً لا في توقيته ولا في مصادر انتشاره. فقد أُثير هذا الجدل بحجة ان التنقيب الإسرائيلي بدأ في منطقة “كاريش”، في حين ان شركة “انرجيان” Energean الإسرائيلية اليونانية المسجلة في لندن ربطت حقل انتاجها للغاز في “كاريش” بأنبوب الغاز في آذار الماضي بعدما تم انجاز العمل الاستكشافي والتنقيبي وبدأ الإنتاج. وهذا الخط ينقل الغاز من “كاريش” الى منطقة الشاطئ التي تبعد مسافة 90 كيلومترا عن مركز الإنتاج حيث توجد منظومة إعداده لاعادة ربطه بالانبوب الداخلي الإسرائيلي للتوزيع على المستهلكين، وجزء منه يصدَّر الى شرق المتوسط.

وكانت الشركة الإسرائيلية اليونانية بدأت حفر الآبار عام 2019 في “كاريش” وهي الآن تستعد لاستخراج الغاز في الأيام المقبلة. وهذا يعني ان التنقيب والتطوير حصلا في “كاريش” قبل سنوات ولم ينتظر الجدل العقيم الدائر في لبنان الذي يتخبط بخلافاته وانهياره الاقتصادي والسياسي. لكن توقيت الجدل في شأن المفاوضات على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل له خلفية أساسية حاليا هي الانتخابات الرئاسية المقبلة في لبنان ونيّة صهر رئيس الجمهورية النائب جبران باسيل ان يكون خليفة عمه، وان يعقد صفقة مع الاميركيين لرفع العقوبات عنه وافساح المجال أمامه ليكون الرئيس المقبل.

والأسئلة المطروحة هي: لماذا ألحّ المسؤولون اللبنانيون على دعوة الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين للمجيء الى لبنان، وماذا في جعبتهم يقدمونه اليه؟ ولماذا استجاب المفاوض الأميركي اذا كان فعلا سيحضر في نهاية الأسبوع الجاري؟ وهل هناك قنوات اميركية – لبنانية تعمل وراء الكواليس لحوار سرّي بين الطرفين، وهذا احتمال كبير يتردد في اكثر من وسط غربي، إذ لا يمكن لهوكشتاين ان يتحدث مع باسيل مباشرة لان الأخير يخضع لعقوبات اميركية، لكنه قد يطمح الى انجاز معيّن مع الجانب اللبناني مثلما فعل جاريد كوشنر مع دولة الامارات في اتفاق ابراهام.

ربما يتطلع هوكشتاين الى مثل هذا الإنجاز مع لبنان، خصوصا انه يدرك تماما ان باسيل هو الذي بامكانه ان يقدم التنازلات ويعطي نتيجة للمفاوضات لأنه يملك كل نفوذ عمه وهو معروف بانه رئيس الظل في الأوساط الاميركية. وهوكشتاين يدرك ان الرئيس ميشال عون ابقى مرسوم تعديل الخط 23 الى 29 من دون توقيعه لاسبابه الخاصة. ومصلحة البلد كانت تقتضي ان يوافق على خط فريديريك هوف ويتم الاتفاق عليه، وكان عليه ان يدفع حينئذ الى المضي قدما في قبوله وإقناع حلفائه بانه الخط الواقعي الذي يسمح بعودة الشركات الى التنقيب في لبنان. وكانت “النهار” سمعت من مسؤول في شركة النفط العملاقة “توتال” انها لن تبدأ التنقيب والعمل في البلوك 9 طالما انه لن يكون هناك اتفاق على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل.

والواقع هو على عكس ما يدّعيه نائب “حزب الله” محمد رعد من انه سيأتي بشركات للتنقيب، فأي شركة عالمية لن توافق على التنقيب والاستكشاف واستثمار المليارات من الدولارات في منطقة متنازع عليها. ربما كان رعد يفكر بشركة إيرانية للحفر والتنقيب، لكن الحقول النفطية الإيرانية نفسها تحتاج الى تطوير وصيانة، ولا يمكن للايرانيين القيام بها بسبب العقوبات الدولية على المعدات وآليات الحفر، وايران لا تملك القدرات التمويلية التي تملكها حاليا الشركات العملاقة. لذا كان من الأفضل ان يوافق لبنان على الخط 23 ولا يدخل في مناورات رئاسية لمصلحة السيد باسيل الذي ابقى لبنان من دون كهرباء لأكثر من عقد، وهو مستمر في السيطرة على قطاع الطاقة لمصالحه الخاصة. فالقنوات الاميركية موجودة وتُستخدم بين هوكشتاين وباسيل لمصلحة إتمام اتفاق حدودي بين إسرائيل ولبنان، لكنه لن يكون لمصلحة الاخير اذا كان من ضمن صفقة لتسلّم باسيل الرئاسة في الأشهر المقبلة.  ​

المصدر:
النهار

خبر عاجل