Site icon Lebanese Forces Official Website

حطام الرئاسة فوق مياه الجنوب

ماذا يعني أن يكرر حزب اللّه، باسم أمينه العام وسائر قياداته، وقوفه وراء الدولة في ترسيم الحدود المائية والنفطية والغازيّة، ومعه رئيس مجلس النواب نبيه برّي في الموقف نفسه، ومعهما الرئيس ميقاتي؟

في الواقع، إن عبارة “الوقوف وراء الدولة” تعني فقط، في المسألة الراهنة وتحديد أولوية المسؤوليات، موقع رئاسة الجمهورية، طالما أن الجميع سلّم بالحق الدستوري لرئيس الجمهورية في التفاوض على المعاهدات الدولية التي يعقدها لبنان، وفقاً للمادة 52 من الدستور، ولو أن هذه المعاهدات والاتفاقات تخضع لاحقاً للإبرام في مجلس النواب.

وقد أدّى برّي “قسطه للعلى” بإسهامه في وضع “الاتفاق الإطار” للمفاوضات مع إسرائيل برعاية الأمم المتحدة وبوساطة واشنطن، وترك “المقادير تجري في أعنّتها” كي ينام “مرتاح البال”!

كما أدّى حزب اللّه فرضه و”تكليفه الشرعي” في الاكتفاء باللطو وراء “الدولة”، أي عملياً وراء رئيس الجمهورية ميشال عون، معلناً عن وضع قوته العسكرية رهن إشارتها، وهي طبعاً من المرات النادرة التي يقف فيها خلف الدولة، منها بضع مرات سابقة لتنظيف بيئته من الخارجين على إرادته بدون أن يُحرج نفسه مع عشائرهم، وهذه المرة للاختباء وراء المفاوضات ورئيس الجمهورية.

وليته وقف وراء الدولة وأخذ برأيها في قراراته الاستراتيجية الأخرى، كانخراطه في الحرب السورية واليمنية، وغزوات بيروت والجبل، وحرب تموز 2006، وإسقاط حكومات الدولة نفسها، وشن الحروب الكلامية وبالمخدرات والسلاح ضد دول الخليج العربي…

والواضح أن لطوة حزب اللّه وراء رئاسة الجمهورية في مفاوضات الناقورة، لا ترجع فقط إلى إيمانه الطارئ وغرامه المستجد بشرعيتها وحقها الدستوري، ولا بالتزامه القرار الشرعي اللبناني، بل لرفع أي مسؤولية عن كاهله ورميها على عاتق رئيس الجمهورية حين يتبيّن أن خللاً ما اعترى المفاوضات، أو صفقة سياسية أدت إلى نتائج لا تؤمّن حقوق لبنان الكاملة، فيسهل عليه التنصّل من السلبيات أو تبنّي الإيجابيات، على معادلة “رابح رابح”.

وفي الحقيقة، لا يقف حزب اللّه وراء الدولة في هذه القضية الاستراتيجية، بل خلف إيران التي تواجه ملفات خطيرة بين تعثر مفاوضات فيينا، والتنازلات اللازمة في حوارها مع المملكة العربية السعودية، وتقليم أظافر نفوذها في بعض العواصم العربية، وتصاعد النقمة الداخلية المعيشية والسياسية على حكّامها.

أمّا الرئيس ميقاتي فيحاول البقاء في الصف الخلفي، داعماً بالتصريح الشفوي ما يذهب إليه رئيس الجمهورية بعد التشاور معه و”الاتفاق” عملاً بالمادة 52 نفسها.

وهكذا تتضح خطورة رمي الكرة في ملعب الرئاسة الأولى وحدها، وهي تتخبّط بين الخطين 23 و29، وبين الـ23 وتعرّجات هوكشتين.

وليس توجيه كل العيون المفتوحة إلى قصر بعبدا بريئاً في السياسة، سواء من حلفائه أو خصومه، وهو يقدّم لهم، من حيث يدري مستشاروه أو لا يدرون، مادة دسمة للتصويب عليه، خصوصاً على خلفية التراجع عن الخط 29 في إطار صفقة تشمل رفع العقوبات الأميركية عن وريثه، تأسيساً لتحقيق المزيد من المكاسب في السياسة والرئاسة.

إنها الخاصرة الرخوة للقصر بفعل تراكم الأخطاء والخطايا على مدى قرابة ٦ سنوات، وهي خاصرة مفتوحة للطعنات من حاضنيه وحُماته قبل سواهم، وهم يستعدّون للتبرؤّ من “دم الصدّيق” على المنعطف الأول.

غير أن الطعنة النجلاء ستكون في قلب لبنان، وفي مقام الرئاسة الأولى، بما يعنيه هذا المقام من مرجعية وطنية مسيحية مارونية كانت في أساس قيام لبنان الكبير، الدولة والوطن، منذ بدء مئويته الأولى قبل مئةٍ وعامين.

فهل يُدرك القصر هول المسؤولية التاريخية في هذا الاستحقاق الاستراتيجي، أم يتابع غرقه في وحول المكتسبات الآنية الزائلة، وفي عقدة التوريث، كما عرفنا ولمسنا، ويمنح مورّطيه متعة التفرّج على حطامه فوق مياه الجنوب ونفطه وغازه!؟​

Exit mobile version