


كتب د. هشام حمدان ـ مكسيكو في “المسيرة” – العدد 1729
مؤشرات إستحقاق 2022 فرصة لا تعوَّض
إلغاء الدويلة واستعادة الدولة!
من يقرأ بدقّة مسيرة الإنتخابات النيابيّة الأخيرة في لبنان، يمكن أن يصل إلى النتائج التالية:
1- أنّ تنظيم الإنتخابات، شكّل إنتصاراً بالغ الأهميّة للشّعب اللّبناني، سواء بتاريخه، أو بنظامه الدّستوري المميّز، في هذه المنطقة من العالم. فعلى الرّغم من كلّ الشّوائب التي أحاطت بالإنتخابات، أثبت اللّبنانيون مرّة أخرى، أنّهم شعب حيّ. أنّهم أصحاب تراث، لا يمكن أن تقضي عليه الحروب، إو الإحتلالات الخارجيّة لبلدهم. هم شعب ديمقراطي توّاق إلى الحياة الحضاريّة بكلّ مقوّماتها. سقطت كلّ محاولات إلغاء الإنتخابات أو تأجيلها. وقد أكدّت الدّول الدّيمقراطيّة أنّها إذا أرادت، حقّقت. هي أصرّت على الإنتخابات فنجحت الدّيمقراطيّة. مثال ممتاز يقدّمه العالم الحرّ من خلال لبنان، إلى شعوب المنطقة.
2- كان ملاحظاً أنّ لغة التّهديد والوعيد لحزب إيران، قد فشلت فشلاً ذريعاً في إرهاب الناس. فقد أكدّ الناس، حتى في بيئة الثنائي الشيعي، توقهم إلى الخروج من الظلاميّة، والشموليّة، والتّرهيب، والعيش بحريّة وبأمان وبمحبة مع باقي شرائح المجتمع اللّبناني. كما أكدّت على التنوّع في لبنان، واستحالة فرض القرارات بالقوّة.
3 – كان ملاحظاً أيضاً أنّ لغة الثّورة التي اندلعت في تشرين الأول 2019، وحقيقة الواقع المزري في البلاد، قد جعلا التحدّيات أمام السّياسيّين مختلفة. كنا نخشى أن تستمرّ بوصلة هذه الثّورة والسّياسيّين المعارضين للسّلطة، في رفع شعارات فاشلة، لمحاربة الفساد، وتجاهل السّبب الحقيقي لكلّ ما يحصل في البلاد، بسبب الإحتلال الإيراني المقنّع للبنان. لكنّ الإنتخابات قوّمت هذه البوصلة، فلأوّل مرّة، منذ الإحتلاليّن السوري والإيراني للبنان، رفع أهل الثّورة والمعارضة السّياسيّة للحكم، شعارات جامعة تطالب بالسّيادة الناجزة، بما يعني إلغاء الدّويلة، واستعادة الدّولة.
4 – كان ملاحظاً أيضاً أنّ هذا الشّعار لا يحمل استراتيجيّة واحدة. ولا توجد رؤية واحدة لتفعيله. لكنّه أسقط نهائياً جدار الخوف من حزب إيران وسلاحه. وبعث العزيمة الشّديدة للعمل الجدّي لتحقيق الغرض. وبات على القوى السّياسيّة السّياديّة أن تعمل بحكمة، وتدرس بموضوعيّة، برنامجها للمرحلة المقبلة. ومن الملاحظ فعليّاً أنّ من يحمل تصوّراً جديّاً لمواجهة الدّويلة، هم «القوّات اللّبنانيّة» وحلفاؤها، مثل اللّواء أشرف ريفي والأحرار، إضافة إلى الكتائب وبعض الفائزين من المجتمع المدني والثّورة. لكن ثمّة أمل بالتّوافق على عمل مشترك يقيم حلفاً سياديّاً لإنقاذ لبنان، وتحقيق سيادته واستقلاله وحياده، رغم أنّه قد لا يقيم توافقاً على البرامج الإصلاحيّة.
ومن يقرأ بدقّة، ردود الفعل الأوّليّة بعد ظهور النّتائج، يمكن أن يستخلص النّتائج التالية:
1 – وجود صدمة قويّة لدى الثنائي الشيعي وحلفائه. فقد سجّلت الإنتخابات إنتصارات تاريخيّة لقوى التّغيير والمعارضة، تظهر التّوجّه القادم للسّياسة الوطنيّة؛ المحليّة والخارجيّة. تهديدات النّائب محمد رعد، ووئام وهاب بالحرب الأهليّة، لم تؤتِ أيّة ثمار، بل على العكس، فقد امتنع حزب رعد عن نشر كلامه. ولم يهتمّ الجبل بكلام وهاب. الحاجّ رعد ومَن خلفه، يعلمون أنّ أيّة حرب مقبلة في لبنان ستكون مقبرة لهم. فاللّبناني الذي خرج لمواجهتهم بالسكين، في الجبل، ثمّ في عين الرمانة وفرن الشبّاك، لن يخضع وسيقاتلهم. في هذه المعركة، لا تفيد الصواريخ والمدافع. كما أنّ الخارج ينتظر منهم مثل هذا الخطأ، ليدكّ عرينهم بكلّ أسلحة الناتو. لم يعد لحزب إيران أيّة فائدة، إلّا أن يبقي الوضع في لبنان هادئا. فإذا قرّر تفجير الوضع، فهو سيدفع ثمناً غاليّاً جدّا.
2 – أنّ مسيرة العدالة بشأن تفجير المرفأ الإجرامي، عادت لتكون في واجهة المرحلة المقبلة. وقد توقّفنا مليّاً أمام التّصريح الشّجاع للّواء ريفي الذي اتّهم إسرائيل بالتسبّب في تفجير المرفأ. هذه البداية الحقيقيّة للوصول إلى العدالة. من أشعل النيران في العنبر الأوّل ولماذا؟ لماذا كانت المواد الكيميائيّة متروكة في العنبر الآخر، ومن كان يستخدمها ويستفيد منها؟ ومن كان يحمي هذا الأمر؟ وعليه فإنّنا نأمل أن تكتمل رغبة تحقيق العدالة، بانضمام لبنان إلى المحكمة الجنائيّة الدّوليّة، بغية رفع هذه القضيّة إليها. لا يوجد رغبة إنتقام عند أيّ طرف، بل رغبة بتحقيق العدالة، لإعادة النّصاعة إلى إسم لبنان، وتاريخه الحضاري والسّلمي في العالم.
3 – سمعنا إشاعات عن اتّجاهٍ إلى أعمال إغتيال ضدّ بعض الفائزين. نأمل ألا يكون ذلك صحيحا. لكن يمكن أن يستسهل بعض الخاسرين، اللجوء إلى أعمال اغتيال، وخاصّة للنوّاب ألذين فازوا من المجتمع المدني والثورة. بعض النوّاب السّابقين لهم تاريخ مخضّب بالدّماء، منذ الحرب الأهليّة التي جرت في لبنان، وأعمال التّفجير التي حصلت في بيروت. كما أنّ بعض الموتورين من أتباع الزّعماء التّقليديّين الذين اعتادوا لغة التّشبيح في الشّوارع العامّة، قد يقومون بمثل هذا التصرّف. إنّنا نعتقد أنّ وحدة القوى السّياديّة، ستلجم مثل هذه الإحتمالات، كما ستعزّز من قدرة القضاء، والجيش، وقوى الأمن على ملاحقة المجرمين. لن يمكن لحزب إيران، أو النظام السّوري أن يحميهم. مثل هذه الإحتمالات، تدفعنا للمطالبة أيضاً بأن ينضمّ لبنان إلى كلّ الإتّفاقيّات المعنيّة بمحاربة الإرهاب، لتمكينه من تحصين أحراره وحمايتهم، وتحويل أيّ اعتداء عليهم إلى قضيّة دوليّة.
4 – لم نستمع إلى أيّ تعليق عمليّ يتّصل بطريقة إنهاء الدّويلة ونحن نأمل طبعاً بأن تبقى اللّغة السّلميّة هي الطّاغيّة. ولا نجد سبيلاً أفضل من العودة إلى موضوع الاستراتيجيّة الدّفاعيّة التي كان بدأ النّقاش بشأنها خلال عهد الرّئيس ميشال سليمان، بغية نزع السّلاح من الميليشيات، وإبقائه في عهدة الجيش اللّبناني، مع تنظيم العمل المقاوم بقيادة وإمرة الجيش، حين الحاجة. لا يجوز أن يبقى قرار الحرب والسّلم خارج الدّولة. كما نأمل بمطالبة مجموعة أصدقاء لبنان، تكليف الأمم المتّحدة نشر قوّات دوليّة على كلّ الحدود اللّبنانيّة بما في ذلك مطار بيروت، لمساعدة الجيش اللّبناني والقوى الأمنيّة في مهمة مراقبة الحدود، منعا للتّهريب بكلّ أشكاله. يجب وقف إستخدام لبنان ساحة لتصفية الحسابات الخارجيّة.
5 – إستمعنا إلى تصريحات القوى السّياديّة عن الحاجة إلى الإلتزام بحياد لبنان، وابتعاده عن المحاور. ونحن نأمل من هذه القوى أن تستكمل هذه التّصريحات، من خلال تحويلها إلى نشاط عمليّ وجدّيّ، لتحقيق الإعتراف الدّولي بحياد لبنان، وحماية هذا الحياد. وهذا الأمر يتطلّب أوّلاً ألتّأكيد على إحترام لبنان لإتّفاقية الهدنة مع إسرائيل لعام 1949، ومطالبة الأمم المتّحدة، من خلال مجموعة أصدقاء لبنان، تفعيل هذه الإتّفاقيّة مع الأخذ بما جاء في القرار 1701 لعام 2006. هذه الإتّفاقيّة وهذا القرار، يشكّلان النّظام القانوني للعلاقات اللّبنانيّة ـ الإسرائيليّة، بما في ذلك موضوع ترسيم الحدود البحريّة. وعليه يجب إلغاء الإطار التّفاوضي الذي وضعه السيّد برّي للتّفاوض مع إسرائيل بشأن ترسيم هذه الحدود، واعتماد إتّفاقيّة الهدنة، وما ورد فيها بالنسبة للحدود المعترف بها دوليّاً بين لبنان وإسرائيل. تفاهم نيسان صار من الماضي، ولا أحد سوى الدّولة والجيش يضمنان نتائج هذه المفاوضات. أمّا بالنّسبة للسّلام مع إسرائيل، فإنّ لبنان ملتزم إعلان بيروت لعام 2002، الذي اتّخذته قمّة جامعة الدّول العربيّة في حينه.
ومثل هذا الحياد يعني، أنّه يجب إلغاء معاهد الصّداقة مع سوريا، والإلتزام فقط بميثاق جامعة الدّول العربيّة، فيما يتّصل بالعلاقات مع الدّول العربيّة. كما أنّه يفترض الإلتزام بميثاق الأمم المتّحدة والقرارات الدوليّة فيما يتصل بالنّزاعات الدّوليّة، بما في ذلك النّزاع في فلسطين. لبنان يلتزم قرارات الأمم المتّحدة بشأن فلسطين بما في ذلك حقّ اللّاجئين الفلسطينيّين بالعودة إلى منازلهم في فلسطين، أو إختيار أماكن أخرى لإقامتهم. لبنان لا يمكن أن يفتح باب التّوطين حمايةًّ لوحدة شعبه، ونظام العيش المشترك بينهم، وضمانةً لأمنه وأمن سكّانه، وعلاقاته مع الدّول الأخرى.
6 – يتّفق الجميع على واجب إجراء إصلاحات عاجلة لوقف النّزيف الإقتصادي في لبنان، وعكس مسيرته. وقد استمعنا إلى تصريحات تتحدّث عن الحاجة إلى عقد إتّفاق سريع مع صندوق النّقد الدّولي. مثل هذا الموضوع يفترض عدم الإرتجال والتّسرّع. لقد أكّد البنك الدّولي أنّ الإصلاح يجب أن يأتي من داخل البلاد، لا من برامج خارجيّة. ونحن نؤيّد ذلك، ونتمنى عدم الإسراع في الإقتراض من الصندوق، والإكتفاء حاليّاً بالإستفادة من خبراته، فنجمع خبراءه بخبراء من القطاع الأهلي من خارج أهل السّلطة، ومن القائمين على برنامج بناء السّلام بعد النّزاع في الأمانة العامّة للأمم المتّحدة، وخبراء من المنظّمات المتخصّصة المعنيّة، وخبراء لبنانيّين مغتربين، بهدف المساعدة على إعداد برنامج وطني متكامل لإعادة السّلام بعد الحرب في لبنان، يضمن التّنمية المستدامة فيه، آخذين في الإعتبار، كل التطوّرات في المفاهيم التي اعتمدها المجتمع الدّولي في كل الحقول العامّة، منذ نهاية الحرب الباردة عام 1990، وحتّى تاريخه.
بدأ الضّوء يلوح في نهاية النّفق. فالواقع في لبنان، يتّجه إلى الخروج من ساحة الصّراعات القائمة في المنطقة. لكن من الضروري التنبّه إلى أنّ المذبوح يتخبّط بطريقة عشوائيّة أحياناً، ممّا قد يحمل سلبيّات كثيرة. دعوة أمين عام حزب إيران إلى التّعاون تحمل سموماً غير مخفيّة. فالتّعاون المنشود لا يهدف إلّا إلى حماية نفسه من العزلة، لا سيّما وأنّه يدرك ضعف واقع إيران الحالي، وكذلك حليفيه الرّوسي والسّوري. لا شكّ أنّ الحرب الأوكرانيّة، دفعت القوى الدّوليّة لإعادة النظر في سياساتها نحو الشّرق الأوسط. فالمساومة مع الإتّحاد الرّوسي تتراجع كثيرًا، وسيقوم الغرب بكلّ ما يلزم ليمنع روسيا من أن تستفيد من دورها في سوريّا. وعلينا أن نأخذ بالحسبان أنّ الإتّفاقيّة النوويّة مع إيران أصبحت أكثر تعقيدًا، ولن تكون في مصلحة إيران. ومن الضّروري أن نتذكّر ما أعلنته إسرائيل قبل أيام عن تطوير المفاعلات النوويّة في إيران، مستذكرين التّهديد الإسرائيلي بأنّها لن تسمح بأن تكون إيران نوويّة.
إنّنا نأمل أن تأخذ قوى التّغيير هذه الأمور بالحسبان، للتّشديد أكثر على إبعاد لبنان عن الصّراعات القائمة، كي لا يكون لبنان ضحيّة مرّة جديدة لأيّة حرب إقليميّة قد تحصل، إذا وقعت حرب بين إسرائيل وإيران. هذا الأمر يفترض مواقف متشدّدة إزاء حزب إيران وحلفائه. نأمل من الحزب التّقدمي الإشتراكي، أن ينضمّ بقوّة إلى مسيرة الرّافضين كليّا لأيّة تسوية مع الحزب. النائب بيار بو عاصي قال كلاماً في غاية الأهميّة، عندما رفض المشاركة مع الحزب في السّلطة، بل ودعاه لأن يحكم بنفسه إذا كان قادراً على ذلك. هذا هو التحدّي الأكبر الذي كنّا نطمح إليه منذ زمن. يجب وقف منح غطاء أو ستار للحزب وحلفائه، الأمر الذي يلغي تلقائيّا، الضبابيّة في المواقف الدّوليّة نحوه. يجب أن تتوقّف الدّيمقراطيّة الغربيّة عن الإختباء خلف شعار المشاركة الجامعة في لبنان، واتّخاذ قرارات أكثر راديكاليّة نحو الحزب.
كما من الضّروري، العمل الجدّي لاستكمال تطبيق إتّفاق الطّائف والدّستور، من خلال إنشاء مجلس الشيوخ، واللّجنة الوطنيّة لإلغاء الطائفيّة السّياسيّة، وإعداد قانون إنتخاب عصري ديمقراطي خارج القيد الطّائفي. هي فرصة لا تعوّض، فإمّا أن ينجح السّياديّون أو يعيدون لبنان إلى دوامة الأزمات.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]