تأليف قبل التكليف قبل التفجير

دأب هذا العهد على تعويد اللبنانيّين على أعراف جديدة بحجّة أنّه “القويّ”، وبحجّة المحافظة على الاستقرار والأمن، ليتبيّن أنْ لا هو قويّ، ولا استقرار وأمن في ظلّه. واليوم بعد إنجاز الانتخابات النيابيّة، يعود ملفّ تأليف الحكومة إلى الواجهة السياسيّة. لكن يريد رئيس الجمهوريّة وفريقه وحلفاؤه تحديد الحكومة بتفاصيلها كلّها قبل الشروع حتّى بالتكليف. فهل ستكون هذه الحكومة ترجمة لنتائج الانتخابات الحقيقيّة؟ أم سينجح العهد ومَن معه بمتابعة انقلابهم كما حدث في انتخابات نيابة رئيس مجلس البرلمان؟

ما لا يمكن إغفاله هو نجاح هذا الفريق بفرض نفسه الضامن لبقاء الدّولة ولاستقرارها بنظر الغرب. هذا ما كان صالحًا قبل 15 أيّار 2022. لكن اليوم بات المجتمع الدّولي، بغضّ النظر عن انشغاله بالأزمة الأوكرانيّة، مدركًا أنّ هذا الفريق إن نجح بشيء فهو بالسطو على الشرعيّة وبوساطة الديمقراطيّة. واليوم يتابع في نهجه لتثبيت جبروته أكثر فأكثر بالسلطة التنفيذيّة. وإن نجح عمليًّا بذلك فهذا يعني حتمًا السيطرة على مفاتيح الحكم للمرحلة المقبلة.

من هذا المنطلق، لو معروف أنّ عمر هذه الحكومة قد لا يتعدّى الأشهر الأربعة، في حال سارت العجلة السياسيّة طبيعيًّا، لكن أهميّة تكوينها هي الأساس لأنّها تفتح المجال للتعاطي الجديد بعد برلمان 2022. وعسى أن يكون التغييريّون وبعض المستقلّين قد تعلّموا من تجاربهم السابقة مع هذه المنظومة ليستطيعوا المساهمة مع السياديّين في انتزاع هذه الحكومة من فمِ هذه المنظومة. ولقد ذكرناها مرارًا وتكرارًا في المعارك الكيانيّة الكبرى أن لا مجال للتجارب. لذلك نجّنا يا ربّ من هذه التجارب بالذات.

فالحكومة المقبلة مطلوب منها المباشرة في إصلاحات ملف الكهرباء لإعادة الحدّ الدنى من الحياة شبه الطبيعيّة التي كان يعيشوها اللبنانيّون. إضافة إلى أنّ إصلاح واحد وجذريّ في ملفّ الكهرباء كفيل بإعادة الثقة الدّوليّة بالسلطة اللبنانيّة. وهذا ما قد يسرّع موضوع صندوق النقد الدّولي، وقد يشكّل أيضًا عاملاً جاذبًا للاستثمارات في هذا المجال. لذلك لا يمكن أن يستمرّ هذا الملفّ بيد الفريق نفسه الذي ثبُتَ فشله بالتجربة نظريًّا وعمليًّا.

كذلك ستكون مطروحةً أمام هذه الحكومة مفاوضات الترسيم على أعلى المستويات. وعلى ما يبدو حتّى اللحظة لقد نجح حزب الله بانتزاع هذا الملفّ من الدّولة التي كانت تتولاه، ولو شكليًّا، ليضعه بندًا إشكاليًّا جديدًا في ساحة الصراع الحدودي. لنصبح أمام مزارع شبعا بحريّة قد تكون مفتاحًا تفجيريًّا جديدًا في المنطقة برُمَّتها. وهذا ما سيمنع التنقيب عن الغاز الموعود، وما سيؤدّي إلى اضطرابات في الاستقرار الأمني على أبواب الصيف الواعد.

وإن نجح الحزب عمليًّا بهذا المخطّط فهذا يعني أنّنا سنكون في مرحلة إدارة الفراغ الرئاسي في حال عدم النجاح بانتخاب رئيس. ولدحض هذه الفرضيّات كلّها مدخل وحيد وهو التضامن بين مَن شكّل معارضة حقيقيّة على أثر نتائج انتخابات 2022. فهذه القوى مسؤولة كلّها أمام الذين صوّتوا لها وآمنوا بقدرتها على التغيير. وحتّى الساعة تبدو القوّات اللبنانيّة الثابتة في مواقفها وحدها وهي تنتظر ملاقاة الآخرين في مشروعها السيادي. وعلى هؤلاء كلّهم أن يؤمنوا بأنّ السيادة أوّلاً والغاز وكلّ شيء يأتي تباعًا. فلا يمكن الحديث حتّى عن إصلاحات من دون تحقيق السيادة. يجب أن يدرك هؤلاء أن لا مجال للتجارب ولا للابتزازات بهدف تحقيق الذات.

نحن إذًا أمام خيارين لا ثالث لهما، إمّا أن تتوحّد الجهود كلّها وعندها لا يمكن الالتفاف على نتائج الانتخابات الحقيقيّة، وإمّا أن يستمرّ بعض مَن يحاول إثبات ذاته فيدخل في بازارات المشاركة في الرقص مع الشيطان على حافّة الانهيار. وحذارِ أن يؤمَلَ منه في التحوّل إلى رافعة لهذا الفريق أمام المجتمع الدّولي. وذلك بسبب وجود توافق محلّي وإقليمي ودولي لتهدئة الجواء في لبنان. وهذا ما قد يستغلّه الحزب ومَن مَعَه لاقتناص فرصة السيطرة على الحكومة المقبلة.

إضافة إلى أنّ الجو العام الإقليمي والدولي يمنع الوصول إلى الانهيار. لكن على ما يبدو أن لا حلّ حتّى الساعة لأنّ التجاذبات كثيرة فضلاً عن عمليّة إثبات الذات التي يقودها النواب الجدد ولو على حساب وجوديّة الوطن ككلّ. فهذه حال حديثي الولادة السياسيّة. وهذا ما سيدفع إلى رفع أسهم رئيس جمهوريّة من خارج المحاور المعروفة، لا سيّما محور 8 آذار. وهذا ما سيقفل الباب أمام مرشّحيّ الثامن من آذار، فرنجيّة وباسيل.

يبقى أنّ الوضع الإقليمي هو الأساس في كلّ ما يجري اليوم في لبنان. والسباق المحتوم لإعادة الحياة إلى الدولة اللبنانيّة هو مع الساعين إلى تفجير الوضع في المنطقة، أيّ طرفي الصراع، أعني هنا إسرائيل وإيران. فهل سيستطيع لبنان السيادي أن ينجح بتحييد نفسه وسط هذه التغييرات الإقليميّة المقبلة حتمًا؟ أم سينغمس أكثر فأكثر في الأتّون الإقليمي حيث لن ينفع البكاء وصريف الأسنان؟

خبر عاجل