أبانا الذي في أنطاكيا العليا

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1729

مار نصرالله بطرس صفير 12 أيار ـ 2019 – 2022

أبانا الذي في أنطاكيا العليا

ضياء 19 نيسان 1986 إنفتحت عليَّةُ بكركي على ريحِ عنصرةٍ بطريركيَّةٍ مارونيَّةٍ أنطاكيَّةٍ أطلقَ فيها روحُ الحكمةِ والمعرفةِ والمشورة الصالحة مِدخنة صرحِ مجد لبنان بأبيضِ دخّانٍ يتصاعدُ آخذًا شكل يمامةِ عليَّةِ اليوم الخمسين يموجُ بسحائبِ بخور قورش ووادي العاصي وكفرحَي وتحوم وادي حربا ويانوح وهابيل وإيليج وحنايا قنوبين إستشرافًا وإشراقًا على سيرة أسقُفٍ لم يكُن إسمه واردًا في قائمةِ المُرشَّحين وقد تمَّ انتخابُه مِن قِبَلِ المجمع الأسقفي المارونيِّ ليتكلَّلَ التَّاج السادس والسبعون لأبون يوحنا مارون المُرصَّعِ كسائر تيجان البطاركة الموارنة بأشواك تاجِ الصَّلبِ الإلهي على رهبةِ إعترافٍ خطابيٍّ أو خطابٍ إعترافيٍّ لمُعتَرِفٍ مُنتَخبٍ للتو يعترفُ ويقرُّ بأنه جاهد طويلاً كي ينال لقب الحقير وهي أَعلى رُتَبِ سابقيه البطريركيين، حقارةٌ طوباويَّةٌ خلاَّقةٌ تُعلن أنها أدنى حبريَّةً وأرجوانًا وصولجانًا من هامةِ رئيس رؤساء أبرشيةِ الجلجلةِ الصّاعدِ إلى سُدَّةِ الجمعةِ العظيمة رَجُلَ أوجاعٍ مضروبٍ بالعاهات، وِشاحُه الملوكيُّ برفيرًا مُضرَّجًا بالدماء وصولجانُه قصبةُ هزءٍ وسخريَّةٍ ومهانة!

ذاك النهار البطرسيِّ الإنتخابيِّ وقَفَ أب البيعة المارونيَّةِ المُنتَخًبِ السادس والسبعون وقفةً مدماكيَّةً وادعةً يُصارحُ مُنتَخبيه: «إنتخبتموني ولستُ بألمعكم، ولا بأعلمكم، ولا بأقدركم، ولا بأوجهكم ولكنّها إرادة الله». وكأنَّ الربًّ أكمل تَتِمَّة خطابِ المُختارِ بمشيئتِه :وإنَّها يا نصرالله بطرس صفير أُمنيَّةُ إخوتِكَ وأسلافِكَ أرميا العمشيتيّ ودانيال الحدشيتي وأرميا الدملصاوي وجبرائل حجولا وأسطفانوس الدويهي والياس الحويّك الحلتاوي!

تولَّى مار نصرالله بطرس صفير حراسة حظيرة الإيمان ورعاية «القطيع الصَّغير» زمنَ لم يكُن مُعتَبَرًا من المُرشَّحين الأقوياء الواسعي الشهرة والنفوذ لكنَّ انتخابَه أُنجزِ بتدخُّلٍ مُباشرٍ مِن قِبَلِ الذي في ألمعِ علاماتِ الأزمنةِ يختارُ ضُعفاءَ هذا العالم ليُخزِيَ بهم الأقوياء المُهابين، فأتَتَ تسويَةُ الروح القدس ببطريركٍ إرتفعَت به الهامةُ البطرسيَّةُ الأنطاكيَّةُ، فأنهى ولايتَه البطريركيةَ وأعوامُه 99 عصًا مِن خَشب ونفسًا من ذهب، وأنهى ولايةَ حياته الدنيويَّةِ الوهّاجة وأعوامُه 99 صرحًا ومجدًا وأرزًا!

هو صاحبُ آيةِ «قَد قُلنا ما قلناه «إيحاءً مِن جزمِ آية معلِّمه «ليكُن كلامكم نعم نعم ولا لا»، فجابه بآيتِه البليغة البأس ذات مجابهةِ مُلهمِه يوحنا المعمدان حَبرُ الصَّوت الصّارخ بوجه هيرودس السفّاح مُواجهةً كَلَّفته يوم 6 تشرين الثاني 1989 شتمًا ولطمًا ومهانةً داخل الصَّالةِ البطريركيّةِ بآثام أيادي رُعاعٍ هَمجٍ عبدةً لبعلٍ أشبه بصنمِ المُشتري تسلَّط على مقرِّ الجمهورية اللبنانية بقوةِ رأي عامٍ برأبّاسيٍّ ضريرٍ، فتهجَّرُ الأب البار إلى صرح الديمان يتعزّى بِسيَرِ أسلافِه المُتوارين عن بطش مضطَّهديهم هائمين على وجوههم بين كهفٍ ومغارةٍ وغربة!

هو صاحب آية «وأين يقعُ قصرُ المُهاجرين هذا»، كاشفًا المستور وغير المستور عن مُهرِّجين بوظيفةِ قياديين قد تسوَّلوا كراسيَّهم النيابية والوزاريَّةِ خلال أزمنة الهوان وهم زُحَّفٌ يمسحو  أدراج مَقَرِّ ولاة الشام بجباههم!

هو صاحبُ آية «الأوطانُ لا تُحمَلُ في الجيوب، مَن حَمَلَ وطنه في جيبه لا وطن له». ففتح رَحِم تاريخ المشقَّات الإنجيلية على حكاية أُمَّةٍ إلتزمت التزامًا مثاليًا بدستور حرية أبناء الرب «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان»، مُطلقًا الإنذار الأسنى لطُلاّب  جوازات السَّفر يُنذرُهم بأنَّ لبنانهم المعروف بوقفِ الله على الأرض ليس فندقًا، ولا مُنتجعًا، ولا متجرًا، ولا صيرفةً، ولا مقهىً، ولا مرقصًا!

وهو صاحب آية الآيات الوجدانيّةِ الوجوديَّةِ «نحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظُّلمِ والظَّلام ليسلم لنا الإيمان بالله، ولتبقى لنا الحريّةُ التي إن عُدِمناها عُدمنا الحياة»، داعيًا الذَّاكرات التي ما زالت على قيد الحياة والنور لدخول سِفرِ تاريخنا الأسنى والأقسى تستلهم معانيها الكيانيّةَ مِن آباءٍ وأجدادٍ نذروا نذر العصيان الأبدي على شريعةِ أحَطِّ بنودِ الذُّميَّةِ وأذلِّها «من يأكلُ من خبز السلطان عليه أن يضربَ بسيفِه»، ولشدة ولائهم لنذرهم بنوا لإقامتهم مملكةَ الوعر المُقدَّس حيث أكل الزمهريرُ القارسُ مِن دفئِ أجسادهم، وأكلَ الشوك والعوسج والقُطرُبُ وخراشيم الصخور من لحوم أياديهم وهم يُنقِّبون عن جودةِ ترابٍ مؤتَمَنٍ على محاريثهم وبذارهم وقمحهم وغرسهم، فلا يطال كراماتهم سيف سلطان!

أبانا الذي في أنطاكيا العُليا أسلافُكَ الخمسة والسبعون الذين حَرَّموا على الغُزّاة دخول الأرض المقدسة دخول الغاصبين، فأخرجوا المُحتَّل تِلوَ المُحتَّل حاملاً نَعلَه فوق رأسه الذَّليل!

إخوتُك الخمسةُ والسبعون أخذتَ من كلِّ مغبوطٍ وغبطةٍ منهم زيتًا ومزيَّةً ووزنةً وقيمةً وقامةً ومصباحًا، لكنَّك يوم 5 آب 2001 صعدت إلى جبل الذَّبائح والقرابين، جبل العين التي تقاتلت قتالاً مُفجِعًا مع أختها العين، وجبل النَّبضةِ التي تصارعت مع نبضة ذات القلب، وجبل الدم المسفوك من ذات الشرايين لتُنهي إلى غير رجعةٍ وعودة عار قانون القائمقاميَّتين، وخِزيَ ميثاق شكيب أفندي، وهشاشة وصفاقة حماية الأم الحنون لبني مارون وحماية الإنكليز لبني معروف.

يوم 5 آب 2001 صعدت إلى جبلِ اللقاء الوثيق الميرون والحِكمة باسم أخيك البطريرك جرجس عميرة الإهدني مهندس قلاع الأمير فخر الدين المعني ورسوله إلى قارة أوروبا لتُطوِّبكَ الأجيال قديسًا لصُلحِ وسلام وأمان أهل جبل الكيان اللبناني!!!

(الصور من أرشيف «المسيرة»)

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل