الرهبنة اللبنانيّة المارونيّة عندما تحيا وتُحيي القضيّة اللبنانيّة

لا يمكن لأيّ إنسان أن يحيا فاعلاً مؤثّرًا في  مجتمعه ما لم يحمل في قلبه وفكره وكيانه قضيّة يناضل من أجلها. ولقد نجحت الرهبنة اللبنانيّة المارونيّة عبر تاريخها المعاصر بأن تُحيي القضيّة اللبنانيّة في كيان اللبنانيّين لأنّها عاشت هذه القضيّة قولاً وفعلاً مع رهبان نذروا نذرًا رابعًا هو ” لبنان”.

ومن هؤلاء الرهبان كان الأب جوزف قزّي، إبن بلدة الجيّة الرابضة في الساحل الشوفي، على شاطئ المتوسّط حيث يقول التقليد الكنسي أنّ الحوت أخرج يونان النبي على ذلك الشاطئ. كما ورد في الكتاب المقدّس، العهد القديم، سفر يُونَان، الفصل 2؛ الآية 10 :” وَأَمَرَ ٱلرَّبُّ ٱلْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى ٱلْبَرِّ.”  لتُخرِجَ الجيّة بعد ذلك نبيّاً من نوعٍ آخر في العشرين من تشرين الأوّل في  العام 1937.

هذا الباحث دائماً وأبدًا عن الحقيقة. كان يبحث عن الله ولم يجده بمفهوم الإله المطلق؛ وليصل إليه، كان يفتّش عنه بوجه المسيح الإله والانسان. وهنا كان يحياه. ومَن يحيا المسيح فهو يحيا قضيّة الحياة كلّها. من هذا الباب كانت نظرته إلى القضيّة اللبنانيّة كونه رآها قضيّة حياة وطن في المسيح وبالمسيح ومع المسيح. وهكذا أحيت الرهبنة اللبنانيّة مع الأب قزّي القضيّة اللبنانيّة حضاريًّا وناسوتيًّا ولاهوتيًّا. فقدّم الأب قزّي أكثر من أربعين مؤلّفًا عالج فيها إشكاليّات لاهوتيّة من “الخطيئة في الفرض الماروني” 1964-1965 إلى ” أبعاد سرّ الفداء في رسائل القديس بولس” 1966- 1965 فضلاً عن دراسات مقارنة معمّقة بين الحضارتين المسيحيّة والإسلاميّة باسمه وبأسماء مستعارة منها “أبو موسى الحريري”. كذلك عن الحياة الرهبانية: تاريخها، طرقها، قيمها 1995. وكتاب  الحياة الرهبانية الصادر بجزئين في  العام 2008.

ومن الشهادات عن الأب جوزف القزّي، تلك التي نُشرت في كتاب “الثائر لله” منها :

– شهادة الأباتي بولس نعمان الذي قال عنه: ” وجدنا جميعنا أنّ دعوتنا الحقيقيّة هي في اكتشاف الأسرار التي تربط الإنسان في الشرق الأوسط عامّة بالدين من جهة، وبالأرض من جهة ثانية. وذلك ليفهم كيف توصّل هذا الإنسان المشرقي إلى هكذا فهم للأديان دون المحبّة والإحترام للإنسان.”

– شهادة رفيقه في لجنة البحوث الدكتور هنري كريمونا الذي سبقه إلى حيث  ” الكلمة” : ” يريد الأب قزّي أن يقول للناس أجمعين إنّ الله لم يصنع للإنسان ديناً، وإنّ الأديان في شرائعها هي من صنع البشر، وإنّ الله هو محبّة لامتناهية، تتجلّى للإنسان بالحرّيّة والبهاء والفرح والصفاء والإرتقاء.”

–  شهادة الجنرال بول فارس: ” رأى الأب قزّي أنّ الحرب التي أخذت طابعاً طائفيّاً دينيّاً في بداياتها والتي راحت تتمذهب في يومنا هذا هي التي جعلت الأب قزّي ينطلق في البحث عن حقيقة المعتقدات الدينيّة للجماعات اللبنانيّة وصولاً إلى الأسباب التي  تحول دون اندماجها في أمّة واحدة، تشكّل الدّولة الأمّة للبنان.”

– شهادة الأب جوزف مكرزل الذي رافقه من العام 1987: ” الأب قزّي لا يتركك تركن إلى يقين أو طمأنينة؛ فالحياة عنده بحثٌ وعملٌ وتفتيش، لا بل قلق وتجديد، لا بل زد على ذلك أنّ الحياة صراع مع كلّ الموروثات والمسَلَّمات واليقينيّات والأيديولوجيّات والحقائق، هي صراع ضدّ الطمأنينة في كلّ شيء حتّى في  العلاقة مع الله، هي صراع مع الله بغية اكتشافه جديداً كلّ يوم.”

وقد أعاد قدس الأباتي نعمةالله الهاشم، رئيس عام الرهبانية اللبنانية المارونية، تذكيرنا بالصورة التي رسمها الأب قزّي للحياة الرهبانيّة: ” إن إلغيت، تتفاقم على العالم خطيئته وتتخربط نسبة الخير والشرّ فيه، يتآكله الجشع إلى الشهوات،… تزول المجّانيّة من الكون… ويزول كلّ اهتمام بالفقراء والمساكين والمرضى، ويستبد الناس بعضهم ببعض، فتغدو الكنيسة فاترة لا شهادة فيها… وتخبو حرارة القداسة”. وجاء هذا الكلام في رثائه في كلمة ألقاها قدس الأب العام في دير سيّدة النصر- نسبيه، غوسطا، الأربعاء 1 حزيران 2022.

هذا تاريخ الرهبنة اللبنانيّة مع القضيّة اللبنانيّة. اليوم مع الأب جوزف قزّي الراحل في 30 أيّار الماضي والباقي  معنا عبر مؤلّفاته وتعاليمه. لقد استطاع في ندواته ومحاضراته ومؤلّفاته أن يحيي قضيّة وطن لن يموت طالما أرضه مغروسة قدّيسين وشهداء حفروا الصّخر ليحافظوا على وجودهم الحرّ في  هذه الأرض، وليحيوا قضيّة وجودهم هذا مع المسيح بكلّ حريّة.

واليوم نحن مطالبون، إذا ما كنّا ندّعي انتماءنا إلى هذا الإرث الحضاري – الإيماني يجب أن نستلهم مقوّمات صمودنا من فكر كلّ الذين مرّوا في هذه الرهبنة التي حافظت على لبنان الكبير في ديرها الصّغير وجعلت منه كبيرًا على وسع المدى، حيث أصبحت المارونيّة حضارة حياة تميّزت بالزهد والنسك منتشرة في الأصقاع الأربعة. ونحن مطالبون بالعودة إلى هذه النمطيّة الحياتيّة كلبنانيّين كيانيّين لنستطيع استرجاع الوطن المخطوف من قبل حضارة تصارع الحياة بالموت؛ وما دام موت الجسد اكيدًا فلنفعل ما نريد لأنّنا بالرّوح نحيا ويحيا لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل