تبقي الوساطة التي يقوم بها المنسق الاميركي لشؤون الطاقة آموس هوكشتاين حول ترسيم الحدود البحرية ومواصلة صندوق النقد الدولي بغضّ النظر عن النتائج التي يمكن أن تفضي إليها الوساطة أو استعدادات الصندوق للمساعدة، لبنان طافياً بإبقاء رفع رأسه فقط فوق سطح المياه فيما هو غارق فعلياً وكلياً تحت المياه. إنها المحاولات غير المألوفة في زمن انشغال دولي كبير بالحرب الروسية على أوكرانيا وتداعياتها الخطيرة على مستويات عدّة في الالتفات الى لبنان منعاً للمزيد من الانهيار الذي يخشى أن يشكل خطراً لا على استقراره فحسب بل على الاستقرار في المنطقة ايضاً. فهذه المساعي مستمرة على رغم عدم وجود حكومة فاعلة وفي ظل توقعات بصعوبة تأليف حكومة جديدة وحتى بانتخاب رئيس جديد، ولكن الاهم هو المشهد الاقليمي الخطير من سوريا في ظل هاجس عملية عسكرية تركية مؤجلة مرحلياً ووضع خطير فيها الى العراق الذي سجّل حصول خطوة يُخشى أنها تزيد الوضع تعقيداً باستقالة الكتلة الصدرية من مجلس النواب، الى الوضع في إسرائيل التي تواجه حكومتها خطر عدم البقاء فضلاً عن تعقيدات العودة الى العمل بخطة العمل المشتركة بين إيران والدول الغربية، ما يحتمل أن يجعل لبنان ورقة للاستخدام أو التوظيف الإيراني في هذا السياق. فهذه الركائز في ما يعني لبنان مباشرة منها وانعكاساتها عليه لا تسمح برؤية نتائج ملموسة أكثر على صعيد الوساطة في شأن تجديد الحدود البحرية أكثر منه تلك المتعلقة بالتجاوب مع شروط صندوق النقد الدولي التي تبقى شروطاً تتعلق بالقرار اللبناني وحده على غير ما يتصل بموضوع الحدود البحرية التي لها بعد إقليمي. فلبنان أقرب على هذا المستوى من التعقيدات في سوريا والعراق وإيران منه ويسير على وقع هذه التعقيدات منه الى الهدنة في اليمن التي مُدّدت لشهرين إضافيين في الوقت الذي تُبذل فيه الجهود لإدامة الهدنة لمدّة أطول وترسيخها. وليس واضحاً على أي وقع يمكن أن تحصل عملية التفاوض راهناً في حال استعادتها. هل هي على وقع تعقيدات المشهد في العراق وسوريا والملف النووي الإيراني أم على وقع ملفّ اليمن؟ علماً بأن الجامع المشترك بين هذه كلها هو إيران، بحيث يتم التوصّل الى تهدئة لا الى حل فعلي نهائي. ففي كل المرحلة السابقة ردّد “حزب الله” مقولة رفض التطبيع مع إسرائيل بينما معروف أن لبنان لن يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل في الظروف الراهنة ولكن إنهاء ملف الحدود البحرية واحتمال توقيع اتفاق في شأنه سيفرض حكماً مرحلة سلمية من أجل أن يتمكن لبنان كما إسرائيل من استخراج الغاز وضمان استقرار المنطقة المتنازع عليها بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي وتأمين الاستقرار والأمن للشركات المستثمرة في هذه الحقول. فما تخشاه إيران ومعها الحزب وحفظاً أيضاً لمصالح النظام السوري وعدم تركه وحيداً، أن يصار الى اتفاق ينهي المشكلة الحدودية بين لبنان وإسرائيل في ظل تساؤلات عمّا إن كان في الإمكان إنهاء الخلاف على الحدود البحرية من دون الحدود البرية علماً بأن مزارع شبعا سورية باعتراف النظام السوري وعدم تسليمه بالوثائق اللازمة لإثبات امتلاكه لهذه المنطقة. وتالياً ما هو الحدّ أو الأفق لعودة الوسيط الأميركي وتحريك التفاوض على الحدود؟ أوليس حسم موضوع الحدود البحرية باباً لإقفال توظيف موضوع سلاح الحزب ودوره “كمقاومة” قد يسهم حتى أيّ نزاع على الحدود بإضعاف فرصه تبعاً لهذا الحسم المفترض؟
هناك ضجة كبيرة جرى تضخيمها وتوظيفها حول أي خط يمكن اعتماده في ظل مزايدات وتهديدات، علماً بأن كل المسؤولين بمن فيهم “حزب الله” يدركون أن رئيس الجمهورية ميشال عون سلّم بالخط 23 منذ رفضه توقيع تعديل المرسوم 6433 قبل أكثر من سنة وأبلغ الأميركيين بذلك. ولا يعتقد معنيّون أنه تراجع عن ذلك. وما صدر من مواقف أعادت الى الواجهة وجود جدل عن أي خط يمكن للبنان اعتماده أو العودة من الخط 23 الى 29 إذا فشلت المفاوضات كما قال أحدهم، لا قيمة عملانية له لأن القطار قد أقلع ولا عودة الى الوراء، فيما من حيث الواقع ينطلق من الخط الأبعد الى الخط الأقرب وليس العكس. يضاف الى ذلك أن حقل كاريش لا يقع وفقاً لذلك من ضمن المنطقة المتنازع عليها بناءً على حسم لبنان حدوده بالخط 23 على رغم الإدانة من رئيس الجمهورية بعدما سلّم بذلك مسبقاً، وسعد الأميركيون بأنه استطاع انتزاع ذلك الموقف متحرراً من الضغوط التي واجهها على هذا الصعيد فيما هو الحليف الاستراتيجي للحزب. وهي نقطة يوظفها فريق عون من أجل تأمين إيصال صهره تحت هذه العناوين بالذات. ولكن هذا موضوع يندرج ضمن الأضرار أو التبعات الجانبية وإن كانت أساسية في إدارة عون لموضوع التفاوض، فيما الغبار الذي يثار هو في إطار تحسين الأوراق على قاعدة خوض معارك شرسة داخلية أكثر منها خارجية، فضلاً عن تضييع البوصلة بحيث لن يفهم أحد من الرأي العام اللبناني ماذا يحصل باستثناء تحصيل الفريق الحاكم “حقوق” لبنان، إذ كل ذلك حصل منذ أكثر من سنة ولم تتم إثارة ضجيج حوله آنذاك، وإن كانت ثمّة علامات استفهام حول صدقية الوسيط الأميركي على قاعدة عدم حياده وانحيازه الى جانب إسرائيل كما يقول بعض آخر، فإنه لا يمكن فهم لماذا الاعتماد عليه مجدداً وتفويضه تحصيل حقوق لبنان من إسرائيل، علماً بأن هذا الأمر يشبه تماماً التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة في الملف النووي ومن المقاربة نفسها تقريباً.
