عندما يحاكي موقف الفاتيكان نداء البطريركية المارونية

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1729

عندما يحاكي موقف الفاتيكان نداء البطريركية المارونية

يداً بيد نحو مؤتمر دولي وحياد لبنان

 

بغض النظر عن الواقع الذي أثبت وبالأرقام أن أصوات غالبية اللبنانيين الذين اقترعوا لمرشحي السيادة والمعارضة والتغييريين، فإن كلمة حزب السلاح غير الشرعي وحلفائه من فريق الممانعة لا تزال تلعلع وتهدد بفرض شروطها سواء على شكل الحكومة العتيدة ولاحقا موقع رئاسة الجمهورية وإلا… فوضى وفراغ.

هذا الجدل البيزنطي المدعوم بسطوة سلاح «حزب الله» سينتقل حتمًا إلى برلمان الشعب، وعلى هذه الجدلية ستنطلق أعمال المجلس الجديد الذي قد تغيب عنه مشاريع القوانين في ظل التركيبة الحالية. فهل يكون الإنتصار الحقيقي الذي أنجزه الشعب التواق إلى العيش في لبنان سويسرا الشرق ودولة الحياد والسيادة مجرد إنتصار وهمي على رغم كل المساعي التي سيبذلها نواب المعارضة لاستعادة هذا «اللبنان»، أم تكون الخطة الموازية التي بدأ العمل عليها بدءًا من نداء البطريرك مار بشارة بطرس الراعي في 27 شباط 2021 تحت عنوان الحياد وعقد مؤتمر دولي خاص بلبنان خشبة الخلاص التي ستعيد لبنان إلى الدولة بعدما غيبتها الدويلة عن خارطة السيادة؟

في 23 نيسان الماضي نظمت لجنة تطبيق القرارات الدولية الخاصة بلبنان والاتحاد المسيحي العالمي، ورشة عمل بعنوان «الحياد والمؤتمر الدولي الخاص بلبنان» برعاية البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ممثلاً بالنائب البطريركي العام المطران سمير مظلوم في بيت عنيا – حريصا. وعلى رغم أهمية المؤتمر الذي حاكى المجتمع الدولي وتمثل بشخصيات من الكونغرس الأميركي والإتحاد الأوروبي وسواهم من المجتمع الدولي إضافة إلى شخصيات فكرية، إلا أن ورشة التحضير للإنتخابات النيابية غيّبت مفاعيله، علمًا أن اللحظة التي عُقِد فيها تقارب في دقتها واقع مؤتمر فيينا، وحياد سويسرا الذي كفله ذلك المؤتمر بغطاء فاتيكاني.

حضور بكركي ودورها المتقدم كلما استشعرت خطرًا على لبنان تصدّرا المشهد الوطني الإنقاذي كما العادة في وقت الأزمات السياسية والوطنية، وهذا ما يفسر دعوة سيدها الراعي الأمم المتحدة إلى تطبيق القرارات الدولية وإعلان حياد لبنان.

وإلى دور بكركي يبرز موقف الكرسي الرسولي لا سيما في مرحلة تتبلور فيها عملية إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط من جديد، ولن يرضى هذه المرة أن يكون الحل على حساب مسيحيي المشرق. من هنا ضرورة أن يكون الحياد ملازماً لوجود لبنان، لحصر الخلافات، وإزالة أسباب النزاعات، وتوطيد الشراكة الوطنية بين جميع المكوّنات، وتنقية علاقات لبنان مع محيطه والعالم، ووضعه على نهج السلام الأصيل الذي هو أساس دوره ورسالته. ولا يُخفى على أحد أنه مذ دخلنا في نزاعات المحاور خسرنا هويتنا الإقتصادية، علماً أنه منذ نشأت دولة لبنان، ظلت الليبرالية الاقتصادية سر إزدهار لبنان ونموه وتقدمه، والمشجع على التوظيفات المالية والإستثمارات.

ما حمى سويسرا خلال الحرب العالمية الثانية كان الحياد والسرية المصرفية والإقتصاد الحر. واليوم نقف أمام واقع يشبه واقع مؤتمر فيينا الذي كفِل حياد سويسرا بغطاء فاتيكاني. فهل تكون خارطة الطريق نحو مؤتمر دولي لبحث أزمة لبنان بعدما ثبت أن العلة الأساسية والمحورية لوصوله إلى هذا الدرك هو سيطرة الإحتلال الإيراني وسلاح «حزب الله» مما يهدد بفقدان لبنان هويته؟ صدى مطلب البطريرك الراعي بإعلان حياد لبنان الإيجابي عاد ينشط في أرجاء الدولة وصولاً إلى المحافل الدولية بعدما أيقن المعنيون أن خروج الدولة أو قوى لبنانية عن سياسة الحياد هو السبب الرئيس لكل أزماتنا الوطنية والحروب التي وقعت في لبنان وأن كل ما طرح رُفض لتبقى الفوضى وتسقط الدولة، ويتم الإستيلاء على مقاليد السلطة عدا عن أن كل الحلول الأخرى تواجه حائطاً مسدودًا.

عندما طرح الراعي فكرة الحياد وعقد مؤتمر دولي من أجل لبنان تعرّض لهجوم غير مسبوق من قبل محور «حزب الله» وحلفائه كون مطلب الحياد يدخل في صلب الميثاق الوطني ويقف سدًا منيعًا في وجه مشروع دولة إيران و»حزب الله». وحتى عندما تحول مطلب الراعي إلى مشروع وطني استمر الهجوم. وعلى رغم المشهد التغييري الجديد في مجلس النواب، إلا أن حل معضلة سلاح «حزب الله» لا تزال بعيدة، ومن هنا يأتي هذا المؤتمر ليؤكد على ضرورة تأمين رعاية دولية للوصول إلى حل شامل يحاكي طرح البطريرك الراعي أي إعلان حياد لبنان عبر مؤتمر دولي وفق البنود التي تضمنها وهي تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بلبنان وإيجاد حل جذري للجوء السوري والفلسطيني وقبول الأمم المتحدة بحياد لبنان ومساعدته للنهوض إقتصاديا وإعادة تكوين السلطة بعد تسليم السلاح غير الشرعي للدولة وترسيم الحدود البحرية والبرية.

خارطة الطريق التي وضعتها بكركي بمحاكاة المجتمع الدولي باتت جاهزة. ينقص التنفيذ، أي الوصول إلى اللحظة التي يتقرر فيها موعد انعقاد المؤتمر الدولي لبحث أزمة لبنان والذي سيشكل خشبة الخلاص الوحيدة. الطريق طويلة، والدور التاريخي الذي لعبته البطريركية المارونية في نشوء فكرة لبنان كوطن التعددية والعيش المشترك، وواكبته في مساره التاريخي منذ انطلاقته مع الأمير فخر الدين إلى نداء الديمان مع غبطة البطريرك الراعي، وكل ما تبعه من بيانات ومواقف يشكل خارطة طريق  للوصول إلى لبنان الدولة بعدما بات الكل على يقين بأن حل مشكلة سلاح «حزب الله» ليس داخليًا إنما دوليًا والمطلوب العمل عليه يدًا بيد وإلا…

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل