المؤمن المعاصر والتحوّلات الفلسفية والعملية الحديثة

شارل مالك – من كتاب “به كان كل شيء” – “المسيرة” – العدد 1729

المسيحية وما تواجهه اليوم

المؤمن المعاصر والتحوّلات الفلسفية والعملية الحديثة

أنا كمؤمن أعرف أن يسوع المسيح إنتصر نهائيًا على كل شيء، وذلك بقيامته من الأموات في اليوم الثالث، بصمود كنيسته الواحدة الجامعة المقدسة الرسولية حتى يومنا هذا، في وجه أبواب الجحيم وجحافله، صمودًا حيًا نشطاً متجددًا خلّاقاً رائعًا، وبتأكدي التام من أنها ستصمد بقوته الخارقة حتى مجيئه الثاني. لذلك لا تهز إيماني وثقتي به وبكنيسته أي حركة أو فلسفة أو إضطهاد أو فساد أو إنحطاط أو إنحراف.

لكني، بما أنه قال لي ولنا جميعًا إنه هو هو الطريق والحق والحياة، وبما أنه أكد عليّ وعلينا جميعًا أن نعبد الرب إلهنا بكل قوتنا وقلبنا وعقلنا، وبما أن الله منحني ومنحنا جميعًا هذا العقل الباحث الفاهم، وبما أني حيّ لا ميت، وبالتالي أعيش في هذا العصر وأتفاعل وجميع قواه وتياراته وحركاته، لهذا كله أطلب الحق والحقيقة وأحاول عقلها قدر استطاعتي دونما هرب أو تهرّب أو جزع أو قلق أخير، لأن بنياني على الصخر الذي هو يسوع المسيح. والحقيقة التي أعقلها بوضوح والتي أعيشها تمامًا هي أن المسيح وكنيسته، التي هي جسده، تتحداهما اليوم حركات ونزعات وفلسفات وأوضاع وتقاومهما وتحاول القضاء عليهما، فأريد أولاً تبيانها ثم الرد عليها.

 

التكنولوجيا: غرائبها ومُدهِشاتها

الوصول الى القمر: قالت لي سيدة إن إيمانها تزعزع عندما رأت على شاشة التلفزيون الإنسان يمشي على القمر.

أمام هذه الإختراعات والإستنباطات والإكتشافات الهائلة، «من بقا بيروح عالكنيسة ويؤمن بخزعبلات الدين وبالله وبالمسيح؟»

 

«فرطعة» الحياة ومغرياتها وتنوّع مؤثراتها وميِّهجاتها وتكاثرها

بين الجرائد، والراديو والتلفزيون والتليفون، وسرعة الإنتقال، والمجلات والكتب، وجميع حوادث العالم التي يمكن أن تنصبّ فيك في آن واحد، بين 20 أو 50 شخصًا يمكن أن تراهم في اليوم وكل واحد «ينتش فيك من ميل»، بين جميع هذه «الفرطعات» والمغريات والمؤثرات والمهيِّجات بالفعل «عقلك بيتفرطع وما بتعود فيك تلملم حالك وتصلّي وتؤمن بالله». إن الإنهماك الدائم في مشاكل الحياة ومتطلباتها يبعدنا عن نعمة المسيح وقدوته وبساطته وروحه القدوس.

 

تكاثر المشاكل الإقتصادية والإجتماعية وتعقّدها

«عقل الإنسان بهالمشاكل وبس. منصبّ عليها وبس. مسحور ممسمر بها وبس». إذا حلّها حلّ كل شيء. الإشتراكية، العدالة الإجتماعية والإقتصادية: إذا حققنا هذه إنتهى كل شيء. «شو بدّو الإنسان. بدّو ياكل ويشرب ويرتاح ويؤمّن مستقبله ومستقبل ولاده. إذاً خلّيني حلّ مشاكلي الإقتصادية والإجتماعية وما بدّي شيء غيره». الإقتصاد، المادة، تأمين العيش، الإجتماع، هذه كلها أخذت محل الله.

 

الولائيّة

يعني عندي ولاء فوق ولائي لله أو للمسيح أو للدين. مثلاً، عندي ولاء قومي فوق ولائي للمسيح وللكنيسة. أو عندي ولاء حزبي فوق ولائي الديني. وإذا تعارض الولاءان أضحّي بالولاء الديني في سبيل الولاء القومي أو الحزبي. «الدين يفرّق بينما الوطنية أو القومية بتجمع. الدين بيخلق عنعنات وتعصّبات بينما الوطنية بتقرّب بين القلوب. إبدال دين بدين، ولاء بولاء».

 

الثوريّة بإزاء العصريّة وقريب منها جدًا ثمة ما إسمه الثوريّة.

هي ضد كل تراث، كل تقليد، كل متعارف، كل قائم، ضد كل شيء في الماضي، حذف الماضي تمامًا. ولأن كل شيء في الحاضر هو من حصيلة الماضي، تعني الثوريّة تهديم كل شيء وإفناءه. إنها روح منتشرة جدًا.

إذاً ضد الحضارة، ضد المدنيّة، ضد الثقافة، ضد المعايير والقيم، ضد الأحكام والآداب، ضد الدين، لأن هذه كلها من خلق الماضي ونُقلت وتراكمت وتكاثفت لدينا من الماضي.

 

بعض الفلسفات: أذكر «إثنين وبس مع إنو في غيرها:

الوجوديّة ـ سارتر: الإنسان حر، الإنسان محور كل شيء، الإنسان خالق نفسه.

الماديّة ـ المادة «وبس». في نهاية النهايات ذرّات ماديّة تتحرّك في الفناء، ذرّة، حركة، فناء من الأزل الى الأبد.

«العقل، الروح Epiphénomène يعني مش أساس، مش أصل، مش أول» ـ لكن ناجم عن المادة، مشتق من المادة، متفرّع من المادة، وظيفة من وظائف المادة: Fonction de la matière.

 

محنة العائلة

إن القوى الممزِقة وحدة العائلة مشتدة في العصر الحاضر. فابتعاد الزوج أو الزوجة عن البيت، وتعرّض البيت لنظرات تمرديّة الى الوالدَين، واشتداد التجارب أمام الآباء والبنين، وتزايد فرص هذه التجارب، كل هذه تؤول الى إضعاف وثاق عُرى العائلة، و»الكنكنة» العائلية من أهم التُرَب لنمو العبادة والتقوى والإيمان، فإذا ضعفت أو تفككت ضعفت هذه معها. إن العائلة في توتر ومحنة وبالتالي يسوع المسيح ذاته والكنيسة جسده في توتر ومحنة.

إن هذه بعض ما يواجه المسيحية اليوم من تحديات وأزمات ومحن. ولا يُفرّحني ولا يُعمّق إيماني أكثر من أن أتناول هذه التحديات واحدًا واحدًا وأنقدها نقدًا أساسيًا مُبرهناً على سطحيتها وفسادها وخطأها. لكن الوقت لا يسمح لي بهذا النقد المفصّل. أكتفي إذاً ببعض ملاحظات سريعة عابرة:

1 – يوجد في العالم اليوم حوالى مليار إنسان عُمِّد باسم الآب والإبن والروح القدس. ينضوي في الدين المسيحي، بين جميع أديان الأرض، أكبر عدد من البشر. وهذا لا يدل على أن المسيحية إنهارت بفعل هذه التحديات والمحن.

2 – سيذهب الى الكنيسة غدًا لحضور الخدمات والقداديس الإلهية في العالم كله أكثر من مئتي مليون نسمة، إنه تقدير إحصائي متحفّظ. وهذا لا يدل على أن المسيحية إنهارت بفعل هذه التحديات والمحن.

3 – لقد بيع أو وُزِّع من الكتاب المقدس السنة الماضية في الأرض كلها أكثر من مئة مليون نسخة. وهذا لا يدل على أن المسيحية إنهارت بفعل هذه التحديات والمحن.

4 – في ألمانيا وحدها، مثلاً، بُنيت كنائس، كاثوليكية وبروتستانتية، في الربع قرن الماضي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أكثر مما بُني في القرون الأربعة الماضية منذ لوثيرس. إذن هذه الظاهرة تتكرر في بلدان أخرى ولو أنها لا تصل الى هذا الحدّ. وهذا لا يدل على أن المسيحية إنهارت بفعل تحديات العصر الحاضر ومحنه.

5 – في أميركا وحدها ينتمي حوالى نصف سكان البلاد الى كنيسة ما بصورة علنية فعّالة. وهذا لا يدل على أن المسيحية في أميركا، بالرغم من مظاهر الإنحطاط بين قسم من شبابها، إنهارت بفعل تحديات العصر الحاضر ومحنه.

6 – بالرغم من إضطهاد الكنيسة في البلدان الشيوعية، فالكنيسة ما زالت حيّة والإيمان ما زال عامرًا في النفوس، والعمادات، السريّة والعلنيّة، ما زالت قائمة. وهذا لا يدل على أن المسيحية من نحالة البنية بحيث تُستأصل من جذورها بالقلع أو الحرب أو الطمس أو الإضطهاد.

7 – لا توجد أي دلالة في الكتاب المقدس ولا يوجد أي تعليم كنسي ولا توجد أي أقوال للآباء والقديسين تؤكد أن المسيحية ستعمّ يومًا الأض كلها، بحيث يصبح كل البشر مسيحيين. المسيحية كانت وستكون دومًا ديانة قلّة. إنه فضل ولطف ربانيّان عظيمان أن يكون اليوم في العالم مليار معمّد باسم المسيح. إن كثيرين مدعوون إلا أن المختارين قليلون. والطريق المؤدية الى الهلاك واسعة وعريضة، وكثيرون يؤمّونها، إلا أن طريق الحياة ضيّقة وصعبة والمُجتازونها قليلون. إن التحديات والنوائب والمحن لا تدل على شيء سوى أن الشيطان حيّ فاعل، لكن الرب يسوع المسيح إنتصر على الشيطان إنتصارًا أخيرًا بنهوضه في اليوم الثالث.

8 – ظاهرة المجمع الفاتيكاني الثاني حيث اجتمعت المسيحية كلها بشكل مشترك أو مراقب، وحيث عولجت جميع مشاكل العصر وتحدياته، وانتهى المجمع بتوحيد تاريخي بين القلوب وبتثبيت صارخ لأسس العقيدة المسيحية. إن كل هذه لا تدل على أن المسيحية تنهزّ في أصولها وجذورها إنزازاً مُزعزعًا أمام التحديات والمحن، مهما كانت حادة ومهما كانت عاصفة.

9 – الحركة المسكونية المعاصرة التي يعود الفضل فيها الى يوحنا الثالث والعشرين وبولس السادس وأثيناغوراس الأول، والى نشاطات المجلس العالمي للكنائس، والتي قرّبت كثيرًا بين القلوب بحيث لم يعد المسيحي يشكّك في نوايا أخيه المنفصل عنه أم يمهره بالخيانة أو الهرطقة أو يضع نفسه فرّيسيًا فوقه، من حيث الصدق والإخلاص، بحيث إن الجو كله بظرف عشر سنوات تغيّر تغيّرًا عجائبيًا. إن كل هذا يدل على أصول الحياة والتجدّد في المسيحية تقف في وجه أي تحدٍّ وأي محنة.

10 – تأملوا في المركز الأدبي الرفيع الذي يحتله قداسة البابا في العالم كله اليوم. لا أظن أنه كان لصوت رومة في التاريخ كله الدوّي والصدى الهائلان، في الشؤون الروحية والمعنوية، اللذان له اليوم، وهذا ليس بين المسيحيين كافة فحسب، بل بين جميع الأديان والفلسفات والنظرات. في الأزمات الحاسمة يتلهّف الكل لسماع قول قداسة البابا ويتأثيرون بهذا القول. إن هذا السلطان الروحي العظيم الذي لا يتمتع به إنسان في العالم كله سوى البابا، من أين أتى به هذا الأخير؟

لم يأتِ به من بيت أبيه ولا من فصاحته الخطابية ولا بسبب بأسه المادي أو العسكري، بل من يسوع المسيح ذاته بواسطة الروح القدس الحيّ الموجود في الكنيسة. وواضح تمامًا أن هذا لا يدل على أن المسيحية إنهارت بفعل تحديات العصر ومحنه.

11 – إن المسأة آخر الأمر مسألة حق وحقيقة. فهل الحقيقة هي أن الله موجود بالفعل؟ هل الحقيقة هي أن يسوع المسيح الناصري هو إبن الله بالفعل؟ هل الحقيقة هي أن الكنيسة هي جسده القدوس بالفعل وأنه باقٍ معها وعلى رأسها بالفعل الى إنقضاء الدهر؟ إذا كانت الحقيقة هذه كلها ـ وأستطيع أن أبرهن ذلك بألف سبب وسبب ـ فلا ضير على الإطلاق إذا امتلأ العالم كله بالتحديات والمحن.

12 – إن المسألة مسألة شخصية، مسألة إيماني أنا بالله، وبالمسيح وبكنيسته، إيماني بالرغم من الشيطان وبالرغم من خطاياي. إذا كنت أعرف المسيح وقوته ونعمته وسلامه وهدوءه وغفرانه وتجديده إيّاي كل يوم، فاعصفي يا محن واشتدّي يا تحديات وازأر يا شيطان ولا أبالي.

13 – تحديات ـ نعم وبكثرة متزايدة. محن ـ نعم وبعمق متزايد. فسادات وانحطاطات ـ نعم وأكثر مما تظن. سقوطات ـ نعم والى أعمق مما يتصوّر. تغيّرات ـ نعم وبكثرة، في الفكر والمعتقد والزيّ ونمط الحياة. لكن يسوع المسيح واحد لا يتغيّر. هو هو أمس واليوم والى الأبد. ومَن سمعه مرة يعرف ذلك تمامًا.

إسمعوا إذاً قول المسيح، وكفى: 1 فورنتس 13. هذا ما قاله بولس بالطبع بوحي من المسيح.

إقرأوا إنجيل يوحنا 15: 1-17.

أيها السادة، صدقوني، إنكم إذا سمعتم هذا سمعًا أكيدًا حقيقيًا ووعيتموه في قلوبكم، فلن تعنوا بعد ولن تنهمّوا لأي محن أو تحديات تواجه المسيحية اليوم.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل