#dfp #adsense

الدمار “المتجدّد”… هنا!

حجم الخط

 

إن كانت الأزمات والاستحقاقات الدستورية والسياسية في #لبنان تحتمل “الغيبيات” بإطلاق تصورات استباقية قد تصيب وقد تخطئ لأنها غالباً ما تغدو صنيعة ساعتها، فإن الأمر لا يحتاج الى عباقرة راسمي سيناريوات الرعب حين يتعلق بمسار الانهيار المتسارع على كل الجبهات المعيشية والمالية والاجتماعية.

 

كان ما يُسمّى اركان الدولة التي زهقت آخر أنفاسها منذ ثلاث سنوات يمنّون النفس ويتزاحمون بل و”يتدافشون” أمام زيارة آموس هوكشتاين كأنهم يتوسّلون جرعة اعتراف أميركية تحديداً ببقايا من شرعية متهالكة ومنهارة رغم كل الظواهر التي تركتها الانتخابات النيابية. لاقوه بحفاوة بعضها مكتوم لا يجرؤ أصحابها على الإفصاح لئلّا يُتّهموا بما لا يحتملون “افتضاحه”، وبعضها الآخر أصحابها أكثر “رحرحة” بل هم من “المقدامين” المزهوّين بعلاقات دافئة مزعومة مع “الأميركيين” (هكذا دفعة واحدة). بدا هذا الوسيط الذي بات الملفّ اللبناني للطاقة والترسيم البحري ضمن خبراته منذ عام 2015 كأنه يستعيد في مكان ما طلّات الموفد الشهير اللبناني الأصل فيليب حبيب ليس لوجود أي شبه أو مقارنة شخصية بينهما إطلاقاً بل بإزاء ما استحضرته النبرات الحربية المخيفة التي سبقت الزيارة الأخيرة لهوكشتاين لبيروت عبر جولة التساجل وتبادل التهديدات التدميرية بين إسرائيل و”حزب الله”.

 

في ناحية ما من خلفية صورة “العوامة – العمارة” النفطية العملاقة التي كانت تمخر قناة السويس الى حقل #كاريش أبحرت بنا الذاكرة المثقلة بعمر من التجارب والسوابق المأزومة التي طالما سحقت لبنان وأرجعته عقوداً عن تطوّره كبلد طبيعي لا أكثر، الى أزمة الصواريخ الشهيرة التي انتدبت الولايات المتحدة فيليب حبيبب ذا الأصول اللبنانية للتوسّط فيها في بداية الثمانينيات ونجح آنذاك في احتواء شبح حرب إقليمية كانت ستندلع من مرتفعات صنين الى أن انفجر لبنان بالاجتياح الإسرائيلي عام 1982.

 

ليست المفارقة فقط في ما يظهر بين تاريخين وظرفين من أن لبنان يبقى على خط الحروب والمواجهات التي تهدده بالدمار “المتجدد” دوماً، بل أساساً في “اللادولة” التي لم يقصّر هوكشتاين كما سواه من قبل وبعد في إسماع أركانها دروساً في علم التفاوض وتحقيق المصالح. قطعاً كلام الوسيط الأميركي في براغماتية التفاوض أدرجه الممانعون فوراً في خانة تحيّزه لإسرائيل وكأن أحداً كان يتوهّم أنه سيتبنّى اقتراحات لبنان ومطالبه كما هي بلا تردّد. ولكن هل كان إيمانويل ماكرون والأمين العام للأمم المتحدة وعشرات المسؤولين العرب والغربيين منذ بدء الانهيار في لبنان مروراً بكارثة انفجار مرفأ بيروت وصولاً الى تعاسات هذا الهزيع الأخير من العهد، كلهم أيضاً يعملون لإرضاء إسرائيل؟ ومتى انزعجت إسرائيل من انفجار أسوأ واقع فساد لدى دولة عدوة لها ولماذا سيزعجها انهيار لبنان على أيدي سلطاته وسياسييه؟

 

المعنى من كل ذلك أن “دولة” لبنان إن كانت لا تزال تستشعر في نفسها كرامة تهتز بعد كل هذه الأهوال فإن اختبارها الأول والأخير والساحق الماحق ليس في حقول “قانا” و”كاريش” والخطوط المتطايرة بما يشبه الفضائح والمساخر أمام العدو وأمام الوسيط وأمام العالم بأسره، بل هنا في بيروت اتساعاً دائرياً وشعاعياً الى الشمال والجنوب والبقاع والجبل بترسيم عاجل طارئ يوقف المجاعة الزاحفة وانفجار الكارثة المتدحرجة الآتية لا محالة من الاشتعالات المرعبة في يوميات الناس التي بلغت حدود البؤس فيها ما لم يعرفه بلد تعرّض لهذا الطراز من الانهيارات.

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل