حوار بين الأفاعي وبيني

قرّرَ بعضُ الأفاعي طلبَ مقابلةٍ معي، وبإلحاح، فما كانَ لي إلّا الموافقة. بعدَ مراسمِ الاستقبال، فتحَ هؤلاءِ العَواتي، عليَّ، النّار، مستهلِّينَ هجومَهم بأنّ ما كتبتُه مُسَخِّراً عالَمَهم، كان خطأً من الوجهةِ التّطبيقيّة، ويجبُ الطَّعنُ به. وصاحوا في وجهي: ” ما هذه الشناعةُ ؟ ومَن فسحَ لكَ في هذه الإذاعة ؟ ومَن مَلَّكَكَ لتطغى علينا ؟”. وكأنَّ شَرَهي الى الإبداعِ في التَّنكيلِ بِمَن أَذاقونا المرَّ، ضَلَّ قَصدَه، وكأنّني ما رميتُ صائباً، لأَتلقّى، من الأفاعي تهمةً مفادُها أنّ خالقَ المظلومِ، أنا، ظالِمٌ هو أيضاً.

عذراً، لأنني لم أبدأ النصّ/ المحاكمةَ بمضمونِ الشّكوى، ليجلسَ القارئُ بحضرتِهِ، وهكذا، أنجو من تَعَجُّلِهِ بِما لا يخطرُ في بال. منذُ زمنٍ، لم يمرَّ عليه الزّمن، أطلقتُ على الحاكمينَ الموبوءين، عندَنا، أولئكَ المنقادين بأَريَحيّةِ الفساد، لقبَ ” أولاد الأفاعي “، استناداً الى ما بثّوهُ من سمومٍ قاتلةٍ في جسمِ المجتمعِ المُتهالِك، وعلى كلّ صعيد. وقد صُليتُ، كما النّاس، بِنارِ إجرامِ الحكّام، فانفجرَ غضبي، ووصفتُهم بما وصفت، فثارَت ثائرةُ الأفاعي، واعتبروني مُنتَهِكاً خصوصيَّتَهم، ومن دونِ استِئذانِهم، ووجدوا، في فِعلَتي تلك، هفوةً، وحقدوا عليَّ الى نهاياتِ الدّهور.

أنا لم تأخذْني النّدامةُ، وأَحكمتُ نَحتَ هدوءِ نفسي، ولم أُرِدْ، في المقابلة، أن أُقَبِّلَ أيديَ الأفاعي، ولَو حاولتُ لَمُنِعت، حتماً. أمّا الضّيوفُ الذين كادَت مرارتُهم تنفجرُ غَيظاً، منّي، فلم يتورَّعوا عن كَيلِ سِلكٍ من الإزدراءِ المُهين، ومن حُسنِ الطَّرز، وكأنّهم أربابُ هذه الصّناعة. لقد أنكروا، وبأدقِّ الأساليبِ المُتَطاولةِ وحَسِنَةِ الكفاية، ما أفصحتُ عنه من صفاتٍ متقاربةٍ بين الأفاعي وبعضِ البشر. قالوا: ” لو سلَّمنا، جَدَلاً، بأنّ السُمَّ ثابتٌ فينا، فكيفَ يُنزَعُ من أنيابِنا ليُزرَعَ في ذواتِ الشياطينِ المُتَّكِئينَ على كراسي الحكم، عندَكم ؟ فللشياطين، هؤلاء، أهوالٌ تزيلُ الرَّواسي، وتُشيبُ النَّواصي”… وكأنّ الأفاعي، بمداخلتِهم التي تقذفُ حِمَماً، يريدونَ القَول : ” كانَ حريَّاً بكَ أن تَلزَمَ السّكوت”.

واستمرَّ الأفاعي، عظيمو العصبيّةِ على قضيَّتِهم، في المواجهةِ الشَّرِسة، قادِحينَ الضّغينةَ، والعداوةَ، والشرّ، مُحتَكِمينَ الى ذرائعَ استَقوَوا بها، وكأنّهم تقمّصوا أرسطو : ” فمِن أين لنا شراسةُ الحاكمين، عندَكم، وتسلُّطُهم، وإجرامُهم العاتي، وأنانيّتُهم المَقيتة، وإذلالُهم لبني جنسِهم ؟”… ومن حقِّ الأفاعي التّأكيدُ على أنّ الحاكمينَ الذين أرغموا الشَّعبَ على أن يعانيَ مرَّ الشدَّةِ والخَفض، كوَّنوا حيثيّةً همجيّةً، لا حسَّ فيها ولا روح، نفيسةً في الظّلم، منوَّعةً في الفساد، مُستَمَدَّةً من إِقطاعِ عصورِ الرقِّ والبرابرة، ناحِرةً مبادئَ الحريّةِ والكرامةِ والسيادة، عازلةً أصحابَها عن الشَّرفِ، وكأنّهم رقمٌ في جدولِ القتل.

في الواقع، كنتُ بين فَكَّي القلق، فدفاعي ليسَ إنجازاً ينبغي الإحتفالُ به كالمولودِ من إمرأةٍ عاقِر، ولو اعتبرَني البعضُ متمتِّعاً بذكاءِ القريحة، ومتميِّزاً ببراعةٍ فذَّةٍ في البلاغةِ لا يُستَصغَرُ أمرُها، لكنَّ تجربتي مع الأفاعي، في تركيزي على الجانبِ المُظلمِ من شخصيّةِ الحكّام، تضمَّنَت فشلاً إستراتيجيّاً يجبُ عدمُ كتمانِه. إنّ الحماسةَ في تنسيبِ الحكّامِ الى الأفاعي، وجَعلِهم من أَكنَزِ نسلِهم، تبقى، بحيثيّتِها النَّسجيّة، خطأً تَماثُليّاً اعتبرَه الأفاعي هدفاً عِدائيّاً أَوجَبَ انكبابَهم على ارتياضِ العَصفِ الرَّفضَوي، بوجهي، وبجديّة.

إنّ زلزالي الذي قصفَ الحكّامَ الدجّالينَ مُنتَعِلي الألقاب، بانخفاضِ براقعِهم، ربَّما غرزَ في كيانِهم المريضِ ارتعاشاتٍ اصطَكَّت لها رُكَبُهم، فلو قُذِفَ الليلُ بِلُؤمِهم لَطُفِئَت نجومُه. لكنّ هذا الزلزالَ، في الآنِ نفسِه، وضعَني في مواجهةٍ حادةٍ، مع الأفاعي مُصفَرّي السُّحنات، الذين نثروا أهاجيَهم، فيَّ، نَثرَ الشَّوك، ومن دونِ تَحَفُّظ، وقد عصَرَ هجاؤُهم حِصرِمةً في عينِ الحنظل.

وبعد، لقد ذهبتُ، عَمداً، وعن سابقِ تصميم، الى قَدحِ الجانبِ القاتِمِ من كيانِ الحكّام، والذي يخفي شرّاً، والذي حوَّلَ عمرَنا مواسمَ أَلغامٍ، وأحزانٍ، وأَغلالٍ، ويأس، حتى باتَت جراحُنا تَلحَسُ من دَمِنا. وإِنْ قُدِّرَ لي، إذا نفخَ في رِئَتَيَّ الموت، أن أرجعَ حيَّاً، لرَفعتُ الرُّكامَ عن كَفَني، وجعلتُ صوتي أتوناً متسعِّراً يرمي بِلَهَبِهِ مخازيَ الحاكمين، وفواحشَهم، والويلُ لِمَن يُصلى بِصَوتي.

أمّا الأفاعي، هؤلاءِ الذين كنتُ، بدُفوعي أمامَهم، فاتِرَ التّأثير، فلم أُرِدْ أن أصنعَ من عُودي، معهم، رِماحاً، وكأنّه مَقطوفٌ من جبالِ الصّنوبر البَرّي، بل حَسَّنتُ ديباجتي، وتقدَّمتُ، منهم، باعتذارٍ لم يَعتَدْ عليهِ سطحُ لِساني. إلّا أنّني وجدتُ في الاعتذار المَليحِ طلَّةً تتصيَّدُ إِمتاعَهم، وذلك أَجدى من إشعالِ حربِ “طروادة” خارجَ أساطيرِ “الإِلياذة”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل