خارطة طريق التحرير

 

صياغة الدساتير هي صناعة وطنيّة تؤمّن ديمومة الأوطان. ولقد أثبتت التجارب أنّه لا يمكن الاعتماد على الأعراف والتقاليد وحدها. فلا بدّ من دستور مكتوب يصون الدّولة ويضبط إيقاع سيرها. باحترامه تبقى وتستمرّ الدول وتحقّق تقدّمها في المجالات كافّة. ولم ينجح أيّ احتلال في بلد ما إلا بعدما نجح بضرب الدّستور في الدّولة المحتلَّة. وهذا واقع الحال في لبنان اليوم الواقع تحت الاحتلال الإيراني الذي يكمل مسيرة الاحتلالات التي سبقته من الفلسطيني إلى السوري. فما هي خارطة طريق التحرير واستعادة الدّستور؟

لا يمكن التحرّر من أيّ احتلال من دون مقاومة. وهذا الدوّر الذي نجحت به المقاومة اللبنانيّة في التحرّر من الاحتلالين الفلسطيني والسوري. ومَن ظنّ أنّ المقاومة اللبنانيّة تنازلت عن دورها في عمليّة التحرّر من الاحتلال الإيراني، إنّه حتمًا مخطئ أو لم يقرأ التاريخ. المقاومة اللبنانيّة مستمرّة وهي اليوم حملت أصوات الأحرار الذين اختاروا نهجها في انتخابات 2022.

وخارطة طريق التحرير واضحة وضوح الشمس. تبدأ أوّلاً باستعادة الدستور المخطوف من قبل سلطة المحتلّ المتمثّلة باتّحاد تشكّله منظومة الفساد التي عملت على هدم مؤسّسات الدّولة الدّستوريّة، مع منظّمة حزب الله التي تحميها بسلاحها غير الشرعي، وتوفّر لها القدرة السياسيّة Le Pouvoir Politique، لتسيطر على الدّولة. وما نجح هذا الاتّحاد إلا لأنّه استمرّ باجتثاث هذه القدرة السياسيّة من الدستور نفسه الذي من المفترض وحده أن يؤمّنها ليضمن بقاء الدّولة وقوّتها.

وباستعادة القدرة السياسيّة للدّستور تُستَعَاد السيادة التي تمّ ضربها من قبل الاحتلالات الثلاثة التي توالت. والسلاح الوحيد لاستعادة الدّستور هو بوساطة استعادة العمل المؤسّساتي عبر النوّاب الدستوريّين – السياديّين الذين باتوا اليوم في مجلس 2022 أكثريّة حقيقيّة. وهذا ما يجب استعادته. وذلك يبدأ بتسمية رئيس للحكومة من قبل هذه الأكثريّة الدستوريّة – السياديّة يمثّلها بكلّ ما للكلمة من معنى. وإن لم تنجح لا يعني ذلك انتهاء العالم. فالسبل كلّها متاحة.

إن لم تنجح الأكثريّة السياديّة بتحقيق ذاتها دستوريًّا انطلاقًا من الميدان اللبناني السياسي، عندها يجب عدم إهمال المعطى الدّولي بحجّة أنّ المجتمع الدّولي مشغول بالزمة الأوكرانيّة – الروسيّة. فلبنان اليوم استعاد زمام المبادرة الدّوليّة من خلال الاهتمام الذي أبدته دولة الفاتيكان. مع ضرورة مواكبة بكركي التي تحوّلت إلى بطريركيّة لبنانيّة كيانيّة كما كانت في العام 1920 وفي تاريخها الكياني كلّه.

فخارطة الطريق التي يجب أن تنطلق من المؤسّسة الدستوريّة الأم، أي مجلس 2022، يجب أن تستكمَل من بوّابة الفاتيكان التي ستفتح حتمًا بوّابة الاهتمامات الدّوليّة بالقضيّة اللبنانيّة. لكن ذلك لن يتحقّق إلا بمبادرة من النوّاب السياديّين – الدّستوريّين. من هنا، باتت خارطة طريق التحرير واضحة مئة بالمئة إذ تنطلق من طريق بكركي نحو الفاتيكان لانعقاد المؤتمر الدّولي بهدف انتشال لبنان من الدرك الاقتصادي الذي أوداه إليه اتّحاد المنظومة والمنظّمة، ومن ثمَّ إقرار نظام لبنان جديد قائم على القاعدة اللامركزيّة المنصوص عليها في اتّفاق الطائف متوأمة مع الحياد الناشط والفاعل في قضايا المنطقة لتتمكّن المقاومة اللبنانيّة عندها تحرير ما لم يتمّ تحريره من دستور الطّائف. ليصبح دستور لبنان الجديد قائمًا على مبدأي الاتّحاد اللامركزي والحياد الناشط مع كلّ ما يحمله من قضايا تقنيّة لتطوير النّظام وفق ما يتماشى مع لبنان الجديد.

وهذا ما سيسهّل عمليّة انتخاب رئيس للجمهوريّة يحمل هذا المشروع في طروحاته كلّها. وبالطبع ليس مقصود معاداة أحد أو عزل أيّ فريق لبناني له تمثيله في الدّولة اللبنانيّة الدستوريّة. وكلّ فريق يركن إلى الدّستور اللبناني سيؤمّن استمراريّته في التركيبة الدّستوريّة – الحياديّة الجديدة. أمّا مَن يرفض هذه التركيبة فهو حتمًا سيعزل نفسه بنفسه ولن يتمكّن من الانخراط في الحياة السياسيّة اللبنانيّة.

وعلى الرّغم من أنّ المستقبل مجهول تمامًا، إلا أنّ مَن يتحكّم فيه معروفٌ تمامًا. وهذه حقيقة إيماننا بربّ القوّات وبلبنان. حيث ما يجمعهما بالنّسبة إلينا هو القاعدة الإيمانيّة. ولا يمكن لمَن يؤمِن بقضيّة دفع رفاقه وآباؤه وأجداده أغلى الأثمان لاستمرارها إلا أن ينتصر في نهاية المطاف لأنّ مسار التاريخ الحقيقي لا يمكن أن ينصُرَ الشرَّ على الخير. وإيماننا الراسخ بلبنان يدفعنا إلى نتيجة حتميّة وهي عدم قدرة مَن استطاع التحايل بالترهيب والترغيب على “الحقيقة” على تبديل مسار التاريخ. ومَن يعشْ يرَ.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل