بطرس الدَّيرَين الواعظ!

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1729

بطرس الدَّيرَين الواعظ!

ما أجمل أقدام المبشِّرين

ليل 23 شباط 2003 المُزَنَّرُ بعاصفةٍ ثلجيَّةٍ عاليةِ الفعاليّةِ، إستنفرَ رجال دير الأحمر ما عندهم من جرّافاتِ ثلوجٍ تفتحُ طريقهم إلى زحلة في مهمَّةٍ إيمانيَّةٍ غير مسبقوقةٍ ولا مألوفةٍ عند أبناء هذا الزمان مُترافقَةٍ بشبهِ نفيرٍ عسكريّ !

وصل الموكبُ الدِّيرانيِّ إلى محيط مستشفى خوري الزحليِّ، فأقاموا حوله طوقًا مُحكَمًا لأجل أن لا يسمحوا بنقلِ جثمان راهب لبنانيٍّ مارونيٍّ إلى أحد كنائس أديار رهبانيَّتِه وتشييعيه إلى أحد مدافنها كما تأمرُ القوانينُ الرهبانيَّةُ المُرعاة التطبيق والتنفيذ. لكنَّ قانون رجال الدّير كان له رأي مخالفٌ حازم، لن يعودوا إلى ديرهم إلاَّ وقديسهُم معهم يعودون به شفيعًا ساكنًا بينهم حتّى يوم القيامة !

 

وكان للديارنةِ ما أرادوا فمشى الموكبُ!

ليل 23 شباط 2003 المُثلِج بين زحلة وبلاد الدير سار الموكب على خُطى موكب 24 كانون الأول 1898 بين محبسةِ مار بطرس وبولس ودير مار مارون عنايا وثلوج السَّماء تغمرُ الموكبين الأخوين الرهبانيَّين: موكب الأب شربل مخلوف بقاعكفرا الحبيس وموكبُ الأب بطرس منصف عين زبدة الواعظ !

ليل 23 شباط 2003 دخلت دير الأحمر تاريخ ضِيَعٍ وقرى وبلداتٍ صارعت وجابهت ونافست لأجل خوضِ معركةِ كسبِ رفات قديسيها في استعادةٍ تاريخيَّةٍ لتفاصيل ذلك الصِّراعِ الطوباوي بين تلك الدساكر المُجاورة لجبل قورش بهدف الفوز بذخائر هامةِ رَجُلِ الخيمةِ النسكيّةِ القورشيّةِ وأب آباء العراء الإلهي مارون بيعةِ الأُمَّةِ المارونيَّة !!

بونا بطرس الحائز بشهادة صاحب حقلِ فلاَّحي الزرع الأنخبِ على رتبة آباء البريَّةِ الكِبار في ترَهُّبٍ تقاربُ زهدياتُه مطارحَ مُعلِّمه إبنِ الإنسان الذي ما كان له حجرٌ يُسنِدُ إليه رأسه، فلم يبتغِ هذا الراهبُ الغريبُ عن أورشليم رهبانيَّةً ظلَّل بعضَ أهلها خيالُ برجِ بابلَ وخيلاءُ رئاسات أبناء هذا الدهر المهووسُ حتَّى اختلال الروح بالتّاج والصولجان والأوسمة والألقاب، فلم يبتغِ بطرسُ الشُّجاع إلاَّ أن يبقى حريصًا ألاّ يُصيبُه صياح الديك ثلاث مرَّات، فلازم أباه كوكب البريَّةِ في أنطونيوسيَّةٍ مريرةٍ تمرَّسَ بها حين كان أبالسةُ التَّجارب ليسوا ذي قرونٍ وأذنابٍ وسُحناتٍ مُرعبةٍ، بل كان بعضُهم من ذوي القُربى القافزين فوق نذور الطاعة والعفّة والفقر، فتشيطنوا رعويًا ورعائيًا في كلِّ مكانٍ وزمانٍ «ضُربِ فيهما الراعي وتبدَّدتِ الرعيّةِ «إلى أن صرخَ هذا المُستَبسِلُ ذات صرخةِ أبي الرهبان أيام مقارعتِه لأعداءَ ليسوا من لَحم ودَم وأعداءَ من لحمٍ ودم :»أين أنت يا سيّدي»؟؟ ليُجيبُه الطريقُ والحقُّ والحياة :»أنا هنا معك أُعاين جهادكَ يا أنطونيوس ويا بطرس»!!

من دير مار جرجس النّاعمة، إلى دير سيدة المعونات جبيل، إلى دير سيدة النّصر غوسطا، إلى دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان، إلى دير مار أنطونيوس النَّبطية، إنتقل بونا الواعظُ مِن محراثٍ يفتِتِحُ به مواسم الرجاء إلى حَصادٍ يُهيِّئُ حنطته لخبز الحياة وقوت الأرواح وعربون النّعيم، إلى دروبِ بشارةٍ تخطُّها آيةُ «ما أجمل أقدام المُبشِّرين»، حتّى أطلَّت سنة 1975 والفالقُ الزلزالي الإقليمي والدوليُّ يُنذرُ لبنان الكيان بالتَّشقُقِ والشِّقاق !

طلبت الرهبانية اللبنانية من بطرسها الذَّهاب إلى منطقة دير الأحمر ليكون صخرةً تُبنى عليها بيعة الصَّامدين في ديارهم صمود ذراعي يسوع المصلوب على حدودَي الصَّليب، فافتتح بونا بطرس الـ27 سنة في رهبانيَّتهِ الديرانية باستشهاد قديس نبحا غصيبة كيروز المخاطب خاطفيه: «دعوني أبشركم أولاً بيسوع المصلوب والقائم من الموت وبعهدها أقتلوني» !

بلدة عين زبدة المعلّقة كسراجٍ فوق مكيالِ منطقة البقاع الغربي ودائرة بحيرة القرعون كيعقوب بن زبدى ويوحنا أخاه في دائرة بحيرة جنّاشر ينتظران علامة إعتزال صيدِ السَّمكِ للإنطلاق نحو صيد النفوس لحساب الخلاص والقيامة وحرية أبناء الله !

من عين زبدة مَسقَطِ الرأس وعين زبدة أنطش مار أنطونيوس المُرتفعِ المدماك عام 1853. من عين زبدة الينابيع وترنيمةِ «نبع الينابيع وسيِّد العطايا». من عين زبدة المغائر المُعطَّرةِ بسيرة مَن «عاشوا في المغاور والكهوف وشقوق الأرض وكان العالمُ لا يستحقُّهم».

هيَّ عين زبدة التي انطلق منها بطرسٌ أخزى حُكماء هذا الدهر وأنَّبَ الأجلاّء الهاربين من شجاعة البشارة إلى تَقيَّةِ التلطِّي بمنظومة «حوار الأديان» صارخًا بوجوهم وبشهاداتهم العُليا: «الويلُ لي ولكم إن لم أُبشِّر وإن لم تُبشِّرون» !!

بونا بطرس منصف. بونا بطرس عين زبدة. بونا بطرس الواعظ .بونا بطرس قديس دير الأحمر. إنَّ سيرتَك الملائكيَّةَ ومسيرتَكَ الملكوتيَّةَ وصلبانَك الملوكيَّةَ مغروسةٌ غرسَ مِزودِ ليلة الميلاد وغرس صليب الجمعة العظيمة، يحفظُها شعبُك في دير الأحمر وسائر ديار لبنان حتَّى بلدان الإنتشار، وفتح ملفات تطويبكَ وتقديسكَ لن تزيدها وزنًا ووزنة، وقباب دير رهبانك وراهباتكَ أخوة الصليب وأخوات المصلوب وقِبَبُ سيدة بشوات وسيدة البرج وسائر قباب كنائس بلاد الدير لن تكون قِبَّةُ كرسي بطرس في الفاتيكان أعلى منها!

لبنانُك ونداء الربِّ لكَ وعدٌ خلاصيُّ له ورجاءٌ عظيم يناديكَ مناداتِه لكيفا ليلة الآلام والصَّلبِ : «بطرس بطرس هوَّذا الشِّريرُ قد جاء يغربلُكم فاذهب وثبِّت أخوتَكَ»!!!

 

سيرة الأب بطرس منصف

– مواليد بلدة عين زبدة البقاعية عام 1911.

– والده شاهين منصف والدته فهدة الحاصباني.

– دخل الرهبانية اللبنانية المارونية دير مار جرجس الناعمة بعمر 18 سنة 20 تموز 1930.

– إتَّشحَ بالإسكيم الملائكي ونذر نذوره الرهبانية يوم عيد إنتقال العذراء 15 آب 1932.

– سيامتُه كاهنًا في دير سيدة المعونات جبيل 13 أيلول 1939.

– راهب ديري في دير سيدة النّصر غوسطا بين 1939 – 1945.

– راهب ديري في دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان بين 1945 – 1950.

– راهب ديري في دير مار أنطونيوس النبطية بين 1950 – 1965.

– مجدَّدًا إلى دير مار جرجس النّاعمة 1965 – 1975.

– مُرسَل إلى منطقة البقاع ومركزه دير الأحمر من 1975 حتى 13 شباط 2003 يوم ارتفاعِه إلى منازل الأبرار والصديقين ومُختاري الرب.

– وصيَّتُه أن يُدفنَ في دير الأحمر بُنيَت ضريحًا مزارًا لزوّارٍ يطلبون شفاعتَه!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل