ملحم الرياشي في “كتاب العتب”

عندما قالَ “فرويد”: “إنّ الحلمَ هو تحقيقٌ لِرَغبة”، انتفضَ مَنْ أَغلقوا قلوبَهم على طَوافِ بساطِ الرّيحِ بها، فبقيَ وَصْلُهم مع الأرضِ التي ‏عَقَّ طِينُها، ولم يُدانِهم انعتاقٌ من فسادِ التّراب. أمّا مَنْ فُطِروا على هَزِّ نسيجِ إبداعِهم، أولئك الذين تسلَّطَت عليهم دهشةُ اللّامألوف، ‏فوحدَهم يُطوِّعون خشونةَ الجَمر، فلا يعودُ قادِراً على أن يُدرِجَ في حِبرِهم لَونَ رمادِهِ الخامِد‎.‎

ملحم الرياشي، الأديبُ والمتأمِّلُ الضّاجُّ برَعدِ الحقيقة، هو غيرُهُ الجَوقِيُّ السياسيّ، لأنه التَحَقَ بطابِعِ الإبداع، والتزمَ بتوصياتِه. ولمّا لم ‏يكنْ مشروعُ الرياشي تكريسَ ذاتِهِ للمَطافِ الأدبيّ فقط، فالحقيقةُ، أنّ نموَّ الحالةِ الأدبيةِ في كيانِهِ، هو غيرُهُ في عِدَّةِ السياسةِ الجافّة، ‏لأنّه يُقابِلُ أوضاعَ المُناخِ في الأرض، صفاءً، وخَصباً، وفرحاً، ويَعبُرُ من الإنشائيّةِ الى الإنتشائيّة، تأليفاً وتأثيراً. من هنا، فإنّ ملحم ‏المُثقَلَ بالمشاعرِ والوعي، لم تكنْ نصوصُه في “كتابِ العَتَب” مقدودةً من غُصنٍ خريفيّ، إنّما هي عِقدٌ منظومٌ تمايلَت مِشيةُ إيقاعاتِهِ ‏كالتّراتيل، فشكَّلَت مؤتمرَ رونقٍ يُستطابُ احتضانُ رُكنَيه: الإبداعُ التأمّليُّ وإيقاعُ التّعبيرِ عنه‎.‎

إنّ خطيئةَ الرياشي، في كتابِه، أنّه جافى أخلاقَ الخطيئة، بوقوفِهِ منها على حِدَة، ربّما ليعلنَ أخلاقاً جديدةً تَسخرُ من نهائيّةِ ما هو ‏مَعروف؟ أم أنّها أخلاقُ الفِعلِ الحرّ، حيثُ يواجِهُ الرياشي أخلاقَ المألوفاتِ بأخلاقِهِ هو، بخطيئتِهِ هو، بمذهبِهِ هو؟

والمؤكَّدُ أنّ في ذلك، شيئاً من الصّوفيةِ ذاتِ الأفقِ الأليفِ والغريبِ في آن، وكأنّ هذا الرَّجُلَ الذي لا يُمْكِنُهُ أن يَحبسَ نفسَه، يُضيفُ الى ‏المسافاتِ مسافاتٍ جديدةً لا تراعي الأنظمةَ الثابتةَ، والأَشكالَ القَوالِبَ التي تُناقِضُ طبيعتَهُ العفويّةَ للتّجاوزِ والإبداع‎.‎

في “كتابِ العَتَب”، رأى الرياشي الدّنيا وكأنّها تعملُ، في خُطَطِها، على صباغةِ مصائرِ الناس، فيكفهِرُّ بعضُها بلَونٍ قاتِم، ويختالُ ‏بعضٌ آخرُ بلَونِ النّضارة، لكنّه، مع ذلك، لم يَطعَنْ في تصريفِ الدّنيا وكأنّها من أربابِ السّوء، ففي الطَّعنِ موقفٌ فيه الكثيرُ من الظَنّ، ‏بالرَّغمِ من ملاحظةِ كثيرينَ أنّ مصيرَهم مِثلُ جَنائِنِيٍّ يَسقي الوردةَ باليمين، ليَقصفَها بالشَّمال. واستِناداً، هل يمكنُ اعتبارُ أنّه كان ‏للدّنيا، مع ملحم الرياشي الأديبِ والمفكِّرِ، مجلسُ حَظّ؟‎ ‎

إنّ ما يُستَنتَجُ من العَتَبِ في “كتابِ العَتَب” ليس عَتَباً، بالمفهومِ العَبَثيّ، بقَدر ما هو محاولةٌ لتثبيتِ ارتباطِ الرياشي بالزّمن، مع إصرارِهِ ‏على ألّا يقعَ أسيراً لِما في الزّمنِ من قلقٍ، وألمٍ، وتشاؤم، وكأنّه، بذلك، يقاربُ أصقاعَ الوقتِ بِوَعيٍ إغريقيِّ الأسلوب، أو يتشفّى من ‏الزّمانِ بمَنحِهِ الكلمةَ/ الموقفَ أبعاداً راقيةً متجاوِزةً يُشهَدُ لها بالقيمة‎.‎

لقد قاربَ كاتب “العتب” مجتمعَ البشرِ بواقعيّةٍ بعيدةٍ عن كلِّ غَفلة، وكَثُرَت إليهِ غزواتُه، فرأى الناسَ عبيداً يتجسّدون الشّهوةَ، ‏والسّلطةَ، والتفوّقَ، والحقدَ، والقوّةَ، والثّروةَ… مُستَتِرين بجُلودِ الحِملانِ على قلوبِ الذّئاب، ويتوافقونَ على الطّرائدِ كالعقبان، وقد رثَّت ‏حِبالُ القِيَمِ في نزواتِهم، فيصافِحون يَدَي الشَرِّ والضَرّ، حتى لم يَبقَ، معهم، ترياقٌ لِسُمِّ الأيام. وبالرّغمِ من أنّ الرياشي وجدَ الناسَ ‏وَقّاحي الوجوه، لم يصفَعْهُ إخفاقُ المحصول، لأنّه مُقتَنِعٌ بأنّ القَدَرَ الأكبرَ أفسحَ في المجالِ لِصَفوِ المحبّة، والمحبّةُ، وحدَها، تُحوِّلُ الكَونَ ‏رَوضاً ضاحكاً، مستريحَ الجوانح. ‎

في عصرِ السطحيّةِ، وهي من ظلالِ الذُّنوب ، نشهدُ، في مَتْنِ “كتابِ العَتَبِ”، حميَّةً لحركةِ العقلِ اليَقِظ، وكأنّ بين ملحم والعقل صفاءَ ‏وداد، هو أعمقُ من أن يوضَعَ له مقياسٌ ضابِطٌ، إلّا الصّدق. فالعملُ العقليُّ المُطَعَّمُ بالصّدق، هو عنصرٌ كريمٌ يُحصِّنُ النِّتاجَ من أن ‏يُفجَعَ بالتكلُّفِ، والصّناعة، وهما قَصاصٌ للذَّوق، فلا يُرشَقُ صاحبُهُ بالحَرَمِ الذي يرتدُّ عنهُ خائِباً. إنّ ملحم الرياشي يأنسُ بديارِ الفكر، ‏وبنشوةِ الإصطباحِ بهيبتِها، وكأنّ كلَّ الشُّغلِ صارَ للعقل، أو بالأحرى، لِما يقولبُهُ العقلُ من عِبَرٍ ليسَت قيمتُها بالحُدوثِ، بل بحياتِها في ‏نفسِ قائلِها. من هنا، فرياشي لم يجدْ بُدّاً من الإفصاحِ عمّا يُعَنّي نفسَه من وَجدٍ للفكرِ، والفكرُ، معه، مقلةٌ لا تنام، وليس لوناً من العَبَثِ، ‏كما يحسبُهُ البعض، إنّه الخواطرُ التي ترمِّمُ بناءَ الذّاتِ لترجحَ، معها، جودةُ الفهمِ، ودقّةُ التّمييز‎.‎

إنّ عَينَي ملحم الرياشي باطِنَتانِ تَرَيانِ، بالتأمّل، ما يصعبُ أن يراهُ كثيرونَ في النّور، لأنهما يفكِّكانِ حجابَ العناصرِ التي تشكِّلُ ‏المُحيطَ الماديَّ للدّنيا، وصولاً الى شيءٍ من العبورِ الى ضفّةِ الأَصلِ التّكوينيّ. وعلى شَفا مزاميرِه، يُشعرُنا رياشي بأنّ الخَلقَ ليس ‏خليطاً مشوَّهاً في مكانٍ يَفرضُ عليه شروطَه، فالمكانُ/الدّنيا، يشكّلُ معه جزءاً من أنطولوجيا الوجود، ينحتُهُ في مقطوعاتِهِ مشهداً ‏يُشبِهُ، والى حَدٍّ بعيد، مشهدَ الحقيقةِ المُتكامِلَ الذي يرقى إليه بعضُ البوذيّين لِشِدّةِ نُسكِهم.  ‎

بالرّغمِ من ضآلةِ النّصوصِ المتعلّقةِ بالوطن، لكنّ المُلاحَظَ فيها أنّ شخصيةَ ملحم الرياشي قد تشرَّبَت بُعداً من النّزعةِ الوطنيّة، وهو ‏بُعدٌ نَسَجَه من دونِ دموعٍ كثيرة. ‎

وإذا كنّا نرى، في قرارةِ ذواتِنا، مَشاهِدَ وطنٍ مُصابٍ سيقَ الى الموت، أو وطنٍ مشرَّدٍ فوقَ ذُلِّ الأرصفة، فإنّ الرياشي نَصَّعَ الصورةَ ‏بالتّوقِ الى الثّورةِ والحريّة، بإشعالِهِ سراجَ آمالِهِ بهما، كيف لا، والوطنُ متغلغِلٌ في مسالكِ أعصابِه، حتى تحوَّلَ الى عِشقٍ رعاهُ حَقَّ ‏رعايتِه. والثورةُ قضيّة، أو هي مع رياشي المُتماهي بالوطن، آليّةُ نهوضٍ لاستردادِ السّلامِ المفقودِ، والثّقةِ بالأرضِ مجالاً لتحقيقِ ‏أمنياتِ الناسِ الذين يحلمونَ بِغَدٍ أفضلَ لأولادِهم‎.  ‎

هي الفلسفةُ جالَسَها الرياشي، وإنِ اعتبرَ بعضُهم أنّها نَشَّأَت بين يديها مُحرَّماتٍ تُؤَلِّبُ على المفاهيمِ التقليديّةِ العابِرَةِ للأزمنة، وكأنّها ‏مُسَلَّماتٌ منقوشةٌ في الكتابِ المَحفوظ. لكنّ المُلاحَظَ أنّ كاتبنا زاوجَ بين الفلسفةِ وبين الرومنطيقيّة، فأتَت خواطرُهُ في التوازنِ بين تَأَنُّقِ ‏المألوفِ والمَافَوق، تكشفُ النّقابَ عن صُنوفِ الإنفتاحِ التي تصونُ الحكمةَ من القحطِ، وترسمُها مشهديّاتٍ أندى على العقلِ من ‏المصطلحاتِ الغائمةِ، وإنْ بعيدةَ الغَور. ربّما كان تصنيعُ الفلسفةِ بالشِّعر، مع ملحم الرياشي، من بابِ وَضعِ الحقيقةِ في نصابِها، أو هو ‏السَّماحُ للخَيالِ بإضفاءِ لمسةِ نَقشٍ الى نواميسِ الفلسفةِ، ليشعُرَ الفَهمُ بالرِّضا، ويتنفّسَ الذَّوقُ تَلَذُّذاً‎.‎

وبعد، بالإضافةِ الى فريضةِ المرورِ الإلزاميّةِ لاجتيازِ “كتابِ العَتَب”، حيثُ مَطالِعُ الفكر، وبدائعُ الصُّوَر، ونُطقُ الإبداع، وزَهوُ ‏التّخاطر، وإِبادةُ البشاعةِ بالبَديع، فإنّ ملحم الرياشي المُقيمَ الدائمَ في ثنايا لوحات من الشِّعرِ والادب الخاص به، الى اللاهوت والفلسفة ‏ممزوجين بنكهته؛ لم يكنْ كلامُهُ حَكّائيّاً، ولا مَجازاً مُستَقىً من وشوشاتِ الجنّ، ولا شَطحاتٍ فانتازيّةً هدفُها الزّخرفةُ، إنّه طابِعٌ ‏معماريٌّ يمزجُ الإيحاءَ الخارجيّ، أو الثقافة، بالخضَّةِ الداخليّةِ، أو الحالة، ليُصبِحَ ما يقولُه كُلّاً ناجِزاً، تَصطَفُّ أشعّتُهُ كالحضارات، ‏لتقطفَ زهورَ قيمتِها من خُدودِ بعضِها‎.‎

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل