
تتعمّد إيران الظهور بمظهر الذاهبة إلى الحرب بينما هي تقدّم أوراق الاعتماد لاستئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة عبر ڤينا من جهة، ومع المملكة العربية السعودية عبر عراق الكاظمي من جهة أخرى.
وتحاول الآن الدخول إلى هذه المفاوضات بتجميع غير ورقة في يدها، أبرزها تحريك بيادقها في المنطقة العربية، وآخرها إحياء نظرية “توحيد الميادين” أو “وحدة ساحات الممانعة” كما فعلت عبر “المؤتمر الاسلامي” في بيروت قبل يومين، إضافةً إلى استخدامها ذراع “حزب اللّه” في التفاوض المائي اللبناني الأميركي الإسرائيلي، واستغلالها فتور الحضور الروسي في سوريا، والهدنة القلقة في اليمن، واستقالة الكتلة الصدرية في العراق.
وشعارها في هذه المرحلة هو العنوان الجيوسياسي التقليدي:
إذا أردتَ السلام (والمقصود هنا النفوذ والمصالح) لوّح بالحرب.
ولا شك أنها تتوجّس من مؤتمرين:
الأول يُعقد اليوم في البحرين لأطراف اتفاق “أبراهام” بحضور 4 دول عربية والولايات المتحدة وإسرائيل.
والثاني، ولعلّه الأشد إثارة لريبتها، هو مؤتمر القمة الذي سيُعقد في السعودية بعد 18 يوماً، ويضم 8 دول عربية مع الرئيس الأميركي جو بايدن.
ومع انعقاد المؤتمرين ترتفع الدعوات إلى تشكيل درع دفاعي في المنطقة العربية تحت مسمّى “حلف ناتو عربي” أو ما يُشبه.
كما أن براغماتية السجّاد تفرض على طهران رفع عقيرة الحرب إعلامياً، وخفض جناحها واقعياً، بعد إدراكها أن القوتين العالميتين الكبريين حليفتيها، روسيا والصين، منشغلتان بصراعاتهما السياسية والعسكرية والاقتصادية من أوكرانيا إلى تايوان، وما ومَن وراءهما، بين أوروبا وأميركا واليابان وأوستراليا وكوريا وسائر دول جنوب شرق آسيا.
ولم يعُد في إمكانها التعويل على تركيا، لا في شمال سوريا والعراق، ولا في العلاقة التركية الإسرائيلية المتقدمة على خلفية إحباط محاولات المخابرات الإيرانية استهداف إسرائيليين على الأراضي التركية، ولا في حساسيات أنقرة مع أوروبا عبر اليونان وقبرص، ولا في التوسيع الشكلي لدول “البريكس”.
ففي الواقع، تُدرك طهران أنها باتت أكثر انكشافاً على المستوى العالمي، وهي ليست من الدول السريعة الانفعال والتهور، وقد أجرت كثيراً حسابات دقيقة بعد صدمات استراتيجية موجعة، مثل اغتيال سليماني والضربات الإسرائيلية على قواعدها وأذرعها في سوريا، وكظمت غيظها وشعارها التقليدي “سنقوم بردود مزلزلة في المكان والزمان المناسبَين”.
وهذه المرة أيضاً ستكظم شعاراتها وتدقق حساباتها، فتستخدم التهويل بالحرب و”توحيد الميادين” كعملة ورقية تطرحها على طاولات التفاوض، لأن المثل الشعبي العابر للحدود بين العرب وإيران يقول، “مَن يأكل العصيّ ليس كمن يَعدّها”.