#dfp #adsense

البديل عن “القوي” ليس “الضعيف”

حجم الخط

عندما أُطلق صفة «القوي» على المواصفات المطلوبة لمرشّحي رئاسة الجمهورية في انتخابات سنة 2016، كان المغزى من ذلك ان يكون الرئيس المُنتظر قوياً بالتفاهمات المسيحية – المسيحية واللبنانية – اللبنانية، إضافة إلى كونه قوياً بتمثيله في بيئته وجامعاً في شبكة علاقاته الوطنية، ليُشكّل بذلك الضمانة الحقيقية للشراكة الوطنية والجاذب والحاضن للتطلّعات المتعدّدة، مكتسباً بذلك فوق صفة «القوي» لقب «الرئيس التاريخي» بالمعنى الانقاذي «والحيادي» ليستطيع حينها حمل جميع فئات الشعب، الذي طالما تميّز بتعدديته وبتأثّره بالصراعات الاقليمية، الى مشروع وطني لبناني، صرف. فتلاقت الظروف السياسية حينها حول معادلة الرهان على مواصفات زعيم التيار الوطني الحرّ الجنرال ميشال عون الذي حاز في كل استطلاعات الرأي وفي عدد من الانتخابات النيابية المتتابعة على التمثيل الاكبر في بيئته، مستخدماً تلك المقومات كحجّة لفرض نفسه على الفئات الداخلية وعلى مراكز القرار الخارجية، وقد خوّله ذلك طرح نفسه المرشّح الاقوى واضعاً حداً للمعارضات ضده ومحققاً حلم الـ30 سنة لاحتلال سدّة الرئاسة. ولكنه، للأسف فقد ترجم الرهانات عليه الى البدء بمشروعه لتغيير طبيعة النظام ونقله من نظام حرّيات سياسية وتفاعل بين الفئات المتباينة الى نظام التحكّم برقاب الناس واعمالهم وارزاقهم وافكارهم.

فمع بدء ولاية ما سمّي خطأً بالرئيس «القوي» إنهالت المصائب واللعنات على الشعب اللبناني بكامل فئاته ومن ضمنهم من اعطوه التأييد والدعم والقوة والثقة العمياء لسنواتٍ طوال معتبرينه المنقذ الذي لا يُشكّك به، ومع تسلّمه رئاسة الجمهورية «ذاب الثلج وبان المرج» وتحوّل بسرعة البرق الى رئيس ضعيف خسر كل مقومات القوة. ولدخوله اللعبة السياسية اليومية كزعيم للتيار الوطني الحرّ وتخلّيه عن دوره الرئاسي لجميع المواطنين، احتاج الى التسويات السلطوية الشخصية، ممّا اوقعه تحت سيطرة حسابات الدويلة، حيث سقطت عنه ليس فقط صفة «القوي» بل أيضاً صفة «الرئيس الجامع» وتصاعدت عليه الهجومات وتحميل المسؤوليات من قبل الشعب الذي كان بالاساس مصدر قوته. وأكثر العوامل التي ساهمت بتدمير صورة القوي فيه كان انفضاح منهجيته المرتكزة على تشويه صورة الآخر من دون ان يعمل على تقديم الافضل.

وبناءً على هذه المعطيات فلم يعد الرئيس «القوي» الموعود والمُنتظر إلا رئيساً ضعيفاً وفاشلاً، ولم يعد لمحاكمة الرئيس القوي ومحاسبته معنى، حيث اصبحت غير صالحة، امّا الاستنتاج لنقل الخيارات من الرئيس القوي الى الرئيس الضعيف كردة فعل على فشله فاصبح كمن يُعيد الكرّة ولكن بمسمياتٍ معاكسة وبجوهر واحد.

محاسبة ولاية الرئيس ميشال عون يجب ان تحصل حتى لو كانت في كتب التأريخ كي لا ينسى الشعب كيفية جلبه اللعنة على رأسه باختياره الخطابات الرنّانة بدل العمق في التفكير.

الشعب اللبناني بحاجة في هذه المرحلة الى رئيس انقاذي بفكره ورؤيته وباستراتيجيته الوطنية الكفيلة بتحقيق التوازن مع المشروع الاستراتيجي لـ»حزب الله»، ذراع ايران، وتتوضّح معالم هذا التوازن بالخطوات العملية والمسارات التي يدفع بها الرئيس المُرتجى لمعالجة استراتيجية «الحزب» ودور سلاحه وحسم هذه المسألة الاساسية لصالح اندماج هذا التنظيم العسكري في الجسم اللبناني وانهاء حالته الشاذّة. واذا كانت هذه المسألة هي بداية الحلول، فهذا لا يعني ان الرئيس لن يستطيع اعطاء الاهمية اللازمة والعناية الضرورية للملفّات الاصلاحية في القطاعات الرسمية والخاصة كافة، فالولوج بعمق إلى اسباب الانهيارات المالية والاقتصادية والاجتماعية واسباب فقدان الاستقرار السياسي تُعتبر كلها داهمة، كقطاع الطاقة والكهرباء الذي كلّف المواطن اللبناني ثرواته، والفساد في قطاع الاتصالات الذي افقد المواطن اللبناني مداخيل مهمة فأمنها للنافذين، والتخبيص في السياسة الخارجية، فأبعد اصدقاء لبنان الداعمين لاقتصاده والاستثمارات فيه، والتهريب فضرب صورة لبنان وعزله عن الاسواق العربية والدولية. وتتوالى الامثال والمشابهات لتكشف ان السرطان الاساسي لكل ذلك كان تحالف الدويلة مع الفساد السلطوي، بدل أن تكون الولاية قوية في طرح المعالجات والاقدام عليها وحشر الحكومات والافرقاء كلها لتحمّل مسؤولياتها ومنع البلاد من الانهيار.

نستنتج من هذه الحقائق ان ولاية الرئيس ميشال عون لا تمت للقوة بشئ، بل هي ولاية «الرئيس الضعيف» من دون اي شك ومن دون تحامل، ولذلك لا يكون الحل باستبدال القوي بالضعيف، بل العكس تماماً، فالهدف النبيل يكون هذه المرّة باختيار «القوي» حقاً وحقيقةً بكل خصائص القوة ومميزاتها وحكمتها وادائها.

الحل يكمن بوقف التمديد للأزمات وهدر الطاقات وإطالة المعاناة اي باختيار من فهم معنى القيادة القوية والحكيمة ويستطيع ان يقود الجمهورية القوية الى شاطئ الأمان والخلاص.

المصدر:
نداء الوطن

خبر عاجل