في الوقت الذي أنجز فيه الرئيس المكلف استشاراته النيابية غير الملزمة لاستطلاع رأي النواب في الحكومة العتيدة شكلاً ومضموناً، بدا من المواقف والاستطلاعات التي عبّر عنها هؤلاء أن ظروف قيام حكومة فاعلة وقادرة لم تنضج بعد بذريعة ضيق الوقت الباقي أمام الاستحقاق الرئاسي الذي يحلّ أوانه بنهاية تشرين الأول المقبل، أي بعد أربعة أشهر.
بالفعل، فقد دخلت البلاد مدار الاستحقاق الرئاسي، حتى وهي على أبواب تكوين سلطة تنفيذية تشكل حاجة ملحة للبلاد، ليس لإدارة الأزمة المستفحلة فحسب، بل أيضاً، وعلى قدرٍ موازٍ من الأهمية، لإدارة أي فراغ محتمل إذا ما فشل المجلس النيابي في انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
ليس أمام الحكومة العتيدة، إذا أبصرت النور هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل، أكثر من عشرة أسابيع في حدٍ أقصى، لاستكمال العمل على برنامج كانت قد وضعته حكومة ميقاتي، كما أعلن هو نفسه بعد انتهاء استشاراته في المجلس أمس، مقدّماً تصوّراً متواضعاً لما يمكن لأي حكومة أن تقوم به في الوقت الفاصل عن الاستحقاق الرئاسي. وبحسب ما بات معروفاً، وربما على أساسه تم تكليف ميقاتي مجدّداً، سيكون التركيز على استكمال إرساء الخطوات المسبقة التي اشترطها صندوق النقد الدولي، وتحتاج في الوقت نفسه لإقرار التشريعات المرافقة لها، كما على معالجة أزمة الكهرباء، وليس واضحاً بعد ما إن كان ميقاتي سيستبدل وزير الطاقة في حكومته الحالية بوزير آخر، بعد التباينات الحادة التي سادت العلاقة بين الرجلين حيال مقاربة هذا الملف الشائك.
هي إذن أيام قليلة يتضح معها مصير الحكومة المقبلة على ضوء التعديلات التي سيقترحها عملياً ميقاتي على حكومته، بحيث يطعّمها ببعض الوجوه الجديدة تناغماً مع نتائج الانتخابات النيابية ودخول مكوّنات سياسية جديدة الى المشهد.
لكن مع الأخذ في الاعتبار المواقف التي أطلقها رئيس تكتل “لبنان القوي” النائب جبران باسيل حول ميثاقية التكليف، وشروط التأليف انطلاقاً من قرار التكتل حيال المشاركة في حكومة ستتولى إدارة الفراغ، فإن هذه المواقف تشي بوضوح بأن دون التأليف عقبات ومطبّات بدأت تشق طريقها، من دون أن يعني ذلك أن ميقاتي ليس في وارد تحصين نفسه في وجه التعطيل، بحيث لا تستبعد أوساط قريبة منه أن ينجز تشكيلته ويضعها على طاولة رئيس الجمهورية رامياً كرة التعطيل وهدر الوقت في مرماه.
في الموازاة، ينصرف ميقاتي الى متابعة شؤون حياتية متفجرة على خلفية المخاطر المحيطة بالأمن الغذائي من جهة، وبمطالب معيشية وحياتية وخدماتية من جهة أخرى، أفرزتها حال اللامبالاة والاستهتار بمصالح القطاعات التي تسقط الواحد تلو الآخر تحت وطأة الأزمة، مهدّدة بإطاحة آخر مقوّمات المناعة المكتسبة على مر العقود الماضية.
كل شيء في البلد ينهار وسط صمت مطبق تتقاسمه السلطة مع شعب خاضع ومخدّر، يجهد للتكيّف مع الأزمات، ويحاول تحويلها الى فرص للكسب. وفيما تؤكد كل المؤشرات والارقام أن السقوط بات حتمياً فإن ما يحيّر الخبراء ما الذي يؤخّر حصوله، وهل هذا التأخير يمكن أن يساعد على تلافيه، وإن بمقوّمات متواضعة؟
وبينما تعوّل السلطة على البرنامج مع صندوق النقد الدولي لمنع البلاد من السقوط، فإن وراء استمرار المناعة في وجه الانهيار عاملين أساسيين، أحدهما خارجي ويتصل بالقرار الدولي بمنع الارتطام لما سيكون له من انعكاسات خطيرة بسبب تحوّل البلاد الى بؤرة إرهاب وتفلّت. وهذا القرار يستمرّ قائماً بقطع النظر عن القرار المماثل وتحديداً أميركياً بالضغط على لبنان من أجل تضييق الخناق على “حزب الله” وتجفيف منابع تمويله، من خلال الضغط على بيئته الحاضنة.
أما العامل الثاني فداخلي ولكن بطابع خارجي يتصل بالتحويلات التي يوفرها اللبنانيون المغتربون والعاملون في الخارج لذويهم، فضلاً عن تلك التي تحوّلها الشركات الأجنبية لموظفيها، بعدما بات جزء كبير من اللبنانيين ولا سيما فئة الشباب يقبضون رواتبهم بالنقد الأجنبي. هذا الواقع أسهم في إنعاش الاقتصاد النقدي، ولا سيما في ظل تراجع القطاع المصرفي عن تأدية دوره وتقديم خدماته.
وتأتي التوقعات بموسم سياحي واعد لينعش الآمال بتحريك الاقتصاد وإنعاش القطاعات المترهّلة بفعل الأزمة، ما يشتري بعض الوقت قبل أن تعود الأوضاع الى مسارها التراجعي، علماً بأن هذه العودة ستكون رهن تطوّر الوضع السياسي واستحقاقي الحكومة والرئاسة!