بلا خبز هاليومين… شبعوا كرامة

أريد شراء ربطة خبز هل من يبيع؟ طيب يا خيي رغيفين ممكن؟! شو اشتقنا لتلك الرائحة الذكية العابقة من رغيف ساخن طازة من الفرن؟ “رغيف ساخن طازة من الفرن”، هذه هلوسات لبناني حالم جائع! أكيد لبناني جائع ليس فقط لربطة خبز، بل لـ باقة كرامة متكاملة فيها ما فيها من كهرباء وماء ودواء وبنزين ومازوت وتلك التي اسمها “الحياة الطبيعية”، وتلك الأخرى التي اسمها “الدولة”!!

من قرأ كتاب “الرغيف” للأديب اللبناني المبدع توفيق يوسف عواد؟ ربما قرأته أكثر من خمس مرات، وفي كل مرة كأنها المرّة الأولى. كتاب جميل رائع تدور أحداثه خلال الحرب العالمية الأولى التي اندلعت العام 1914، ويروي الكاتب فيها عن المجاعة التي سببها الأتراك آنذاك للشعب اللبناني والشعوب المحيطة، وكذلك المشانق التي علّقها جمال باشا السفاح، المعروف باسم “الجزار”، للبنانيين الرافضين للمحتل العثملي، وما رافق ذلك من أحداث كثيرة ويروي عواد فيما يرويه، كيف اضطر اللبنانيون لقتل ما تبقى من هررة شاردة وأكل لحمها ليطعموا أولادهم، وكيف كانوا يموتون جوعاً وأمراضاً على الطرقات، وكيف نهب الأتراك خيرات البلاد.

منذ حرب الأربتعش تلك، يوم حجب الأتراك الطحين عن الشعب اللبناني وانتشرت المجاعة، لم يشهد لبنان جوعاً للرغيف كما يحصل اليوم! لم نشهد في زماننا القديم ولا الحديث، على أزمة مماثلة. صرنا أرقاماً في طوابير، صرنا شعباً مشرّداً مسحوب الأحلام والطموح، مسجوناً في مصائبه، لاجئاً في أرضه، مذلولاً محتاجاً بينما خير البلاد يتدفّق تهريباً وبيعاً وشراء في السوق السوداء الى سوريا، والى مخازن مسؤولين نذروا حياتهم لتدمير لبنان، للامعان في قهره، لتحويل الشعب الى آلات مبرمجة، كي لا نقول حيوانات صغيرة تائهة تبحث فقط عما تأكله من دون أي تفكير أو تخطيط للغد؟

الغد؟ هل في لبنان الآن غد؟ هل يملك الشعب اللبناني رفاهية التفكير بـ بكرا قبل أن يجد ربطة الخبز ودواء السرطان وكم شمعة للإضاءة وكم ليتر بنزين للسيارة و… و… و…؟ أي بكرا ذاك ممكن أن يفكّر به اللبناني وهو منقوع تحت شمس الذل ليحصل على ربطة خبز واحدة، ربطة واحدة كل يومين يا الله، بينما طحين معاجنه وخبزها يُهرّب وبكل وقاحة وإجرام وتواطؤ غير مسبوق، والدولة تعرف وتطنش وتصمت؟!

الدولة؟ شو يعني ذاك المصطلح؟! نحن عن جد نعيش في دولة؟ دولة ماذا؟ الكفار؟ المهربين؟ تجّار الكرامات؟ الاحتلال؟ الفاسدين؟ المجرمين؟ الإرهابيين؟ الناهبين حياتنا وممتلكاتنا وأموالنا ومقدراتنا وخبزنا الذي ما عاد كفاة يومنا، وأدويتنا وأنفاسنا؟ هل من سمع عن “دولة” يتظاهر فيها مرضى السرطان بأنفسهم، بأنفسهم ينتشلون حالهم من سرير المرض ليطالبوا بأدويتهم المقطوعة، ولا من يستجيب؟ أليست تلك “دولة” قاتلة للشعب؟

طيب سؤال حشري يكاد ينهش جلدي، ترى ما مفهوم الدولة أساساً بالنسبة الى تلك المسماة “دولة” في لبنان والتي تحكمنا؟ الدولة في لبنان هي عهد الأقارب والعيلة الحاكمة، وقصر الفراغ والصمت المميت، والتحالف مع المحتل، والمحتل هو الجمهورية وهو الدولة وهو الآمر الناهي وكل من هم حوله يخضعون، هل أنا مخطئة؟ “الدولة” في لبنان هي مزرعة يحكمها الوحوش، والوحوش فلتانة على الشعب اللبناني، تنهش جلده وتتركه ينزف حتى الموت. دولة؟ عن جد أما نزال نعيش من ضمن هذا المفهوم الذي تنعم به دول العالم كافة حتى الأكثر فقراً وتراجعاً وفساداً وانهياراً؟

أعرف أننا نقاوم، وأعرف أننا سنبقى نقاوم حتى ننتزع لبنان من أنياب هؤلاء الوحوش، لكن هل يستطيع جائع أن يتمرّد على ربطة خبز شحدها شحادة لعائلته، وأن ينتفض على حاله ودولته المفترضة تلك، وهو لا يملك سلاحاً سوى الصبر، وهل الصبر أساساً سلاح؟

رفضت أن اقف في طوابير الخبز، خصوصاً لما شاهدت لبنانيين يتكدّسون في الانتظار، وغرباء يحصلون بالجملة على ربطات خبز، كدت أفقد صوابي، فهربت أنا الجبانة من المشهد لعجزي عن فعل أي شيء، وقلت “خلص بديش خبز الكرامة بتشبعني”، وكانت النتيجة ان الكرامة التي أتخمتني، تركتني خمسة أيام بلا رغيف واحد، أنا لا أطفال عندي لكن رب العائلة هل سيقول لأولاده “بلا خبز هاليومين شبعوا كرامة؟!”.

الكرامة بتشبّع اكيد اذا لم يكن بطن حاملها يكركر جوعاً وخواء، ولكن الكرامة ما عادت تشبعني شخصياً، أريد الثورة، أريد الغضب الكبير، هيك هيك خسرانين رغيفنا وخيراتنا لماذا نتركهم ينهبون ما تبقى فينا، وما تبقى عندنا الا تلك الصلاة العميقة الضاربة في جذورنا، وهي المقاومة. فلنفعل أي شيء، فلنقاوم كي لا نكرر مشهدية توفيق يوسف عواد، ولا نعود نجد هرّة نجعلها وليمتنا…​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل