ميقاتي واستعادة الثقة في ملف الكهرباء

 

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي على نحو واسع في الاونة الاخيرة مقطعا من حوار تلفزيوني للنائب السابق نقولا نحاس يقول فيه ما حرفيته ” اقول علنا اننا جربنا في ملف الكهرباء ان نقفل هذا الملف وكان فشلنا فشلا ذريعا . بوضوح كلي الوزير جبران باسيل كان غير مقتنع ورافضا ان يكون التمويل من الصناديق. كان يريد ان يموله من الدولة اللبنانية فقط لا غير ولم يكن يقبل بان يتم الحديث في اي امر اخر. حين اتينا بالصناديق قال ان الصناديق تتأخر وان لا صدقية لديها على رغم انها كانت ستؤمن لنا دينا بنصف في المئة على مدة ثلاثين سنة”. ويروي نحاس انه توجه الى واشنطن مع فريد بلحاج الذي اصبح رئيس دائرة الشرق الاوسط في البنك الدولي “وعقدنا اجتماعا وهناك محضر يقول فيه ان البنك يؤمن جمع الصناديق خلال اربعة اشهر ويأخذ على عاتقه التنفيذ . عدنا الى مجلس الوزراء ولم يقبل باسيل لانه غير مقتنع بان الصناديق تقوم بواجباتها .هذه موثقة من دون تردد وانا لا اعمل نقاشا سياسيا لانه في هذه الحال اذهب ابعد بكثير من ذلك. انما اقول ان الفشل الذريع في الكهرباء هو التعنت هو التشبث انني انا الوحيد الذي امسك بالكهرباء لا ادارة كهرباء لبنان ولا ادارة في وزارة الطاقة وانا امسك لوحدي مع المستشارين القرار مما كلف ٤٠ مليار دولار حتى الان . هذا الموضوع لا يحتمل جدلا ولا جدل فيه لو اتت مليون تغريدة حول الموضوع الموثق والواضح وهذه النتيجة التي ندفع ثمنها الان ” .

 

الكثير من هذه التفاصيل يعرفها الوسط السياسي كما يعرفها الديبلوماسيون من الدول صاحبة الصناديق التي عرضت المساعدة ورفضها باسيل انذاك ما ساهم الى حد كبير في الموقف السلبي منه والذي لا يعود فحسب الى العقوبات الاميركية عليه . ولكن التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي اثارت تساؤلات عن الاسباب التي حملت كل الافرقاء السياسيين او معظمهم على الصمت على هذا التعنت الذي ساهم في انهيار البلد وعما اذا كان هؤلاء الافرقاء لا يتحملون جنبا الى جنب مع باسيل وفريقه المسؤولية نتيجة عدم مصارحة اللبنانيين وعدم الوقوف علنا وبقوة في وجه هذا المنحى . الامر الذي يضع الجميع تقريبا في سلة واحدة مع اختلاف نسبة المسؤولية .

 

لا يمكن لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي ولا لاي رئيس حكومة بعد الان المضي في السياسة نفسها التي اوصلت البلد الى ما وصل اليه. وترى مصادر سياسية ان ما قدمه ميقاتي من تعديل في الحقائب طاول في شكل خاص حقيبة الطاقة وانتزعها من يد التيار العوني هو امر يفترض ان ينسجم مع ما قاله نحاس ويجب ان يلاقيه فيه افرقاء سياسيون سواء تألفت الحكومة ام لم تتألف. اذ من غير المسموح ولا المقبول الاستمرار في لحس المبرد بحيث ينزف اللبنانيون نتيجة لتعنت مسؤولين بات يجب محاسبتهم بقوة . هذا المنحى هو الذي ترى المصادر وراء الهجوم القضائي والسياسي على حاكم المصرف المركزي الذي كشف اخيرا الرقم الحقيقي لاستنزاف وزارة الطاقة اموال المصرف على مدى عشر سنوات والتي حددها ب24 مليار و537 مليون دولار . هذا الكشف جاء من ضمن المعارك السياسية التي خاضها العهد ولا يزال فيما انه يخشى ان اقتراب انتهاء الولاية الرئاسية سيساهم في كشف الكثير من الخبايا التي لن يرغب في انكشافها وفيما ان تنشيط ملف على غرار ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل لن يعد انتصارا او مكسبا يساهم في تعويض الانهيار المخيف الذي لا يزال يتجه اليه لبنان واللبنانيون.

 

تقول هذه المصادر انه لا يجب ان يتوقع احد استعادة اي حكومة ثقة الداخل في شكل خاص او حتى ثقة الخارج اذا استمر القديم على قدمه من دون ان يعني ذلك ابقاء ثوابت لطوائف اخرى من دون تغيير كذلك. ولكن ملف الكهرباء الذي استنزف الخزينة ويهين اللبنانيين في حياتهم اليومية بات لا يحتمل انصاف الحلول او التسويات لا سيما ان انهيارا على غرار الذي حصل منذ ثلاث سنوات والانتفاضة الكبيرة التي وجهت ضد العهد لم تدفع هذا الفريق الى تغيير مقاربته لهذا الملف قيد انملة . ما دفع ميقاتي الى الاعلان اخيرا انه استغرقه 5 اشهر لازالة كلمة سلعاتا في ملف الكهرباء فيما ينتظر البنك الدولي ان يلتزم لبنان خطة مقبولة للكهرباء وهيئة ناظمة يرفضها باسيل بعيدا من معمل سلعاتا الذي يعرقل اي خطة للكهرباء حتى التسليم له به .

 

يسمح بدء العد العكسي لعهد عون بعد اربعة اشهر تماما التمهيد لمرحلة جديدة يفترض الجميع ان تكون مختلفة بحيث تعيد الثقة للبنانيين لا سيما اذا انتخب رئيس جديد في الموعد المحدد وكان يتمتع برصيد سياسي جيد، بالاضافة الى تجربة رصد مفاعيلها السياسية والشعبية . وذلك عدا عن واقع ان الانتخابات النيابية فرضت متغيرات كبيرة وان لم تترجم بعد بحيث لا يمكن ابقاء القديم على قدمه لا سيما اذا كان الفشل عنوانه الرئيسي. ورسالة التغيير من ميقاتي ولو كانت محدودة لن تجد طريقها الى التنفيذ على الارجح في ما تبقى من ولاية عون الذي لن يقبل ادانة علنية وواضحة على هذا النحو له ولفريقه ، وذلك علما ان ادانة قوية وقاسية صدرت قبل ايام عن البطريرك الماروني بشارة الراعي للعهد في مقابل اعلان دعمه لميقاتي وتهنئته بتكليفه ، الامر الذي لم يقم به اي فريق . ويدرك ميقاتي ان عون سيرفض التغيير وسيبقي على حكومة تصريف الاعمال باعتبارها تحفظ له ما لن يحصل عليه فريقه ابدا بعد اليوم في الحكومات المقبلة ولكنها محاولة تصب ايضا في خانة الرد على ما لحقه من انتقادات وضعته مع الطبقة السياسية المسؤولة وفق تقارير دولية عن تعمد دفع البلد الى الانهيار . تتطلع المصادر السياسية الى استكمال فعلي لهذا المنحى بعيدا عن المناورات او المساومات تحت طائلة الضغط لتغيير كلي وجذري في مقاربة ملف الكهرباء على الاقل .

المصدر:
النهار

خبر عاجل