فخامة الرئيس العتيد… هذا هو المطلوب!

كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1730

 

لم يعد من المجدي الرهان على حكومة في الأشهر الأخيرة من ولاية الرئيس ميشال عون، لأن أي حكومة ستكون استمرارًا للقديم نفسه والمراوحة في الأزمة نفسها، فيما الفرصة الوحيدة التي تشكل مدخلاً للإنقاذ والتغيير تتمثّل في الانتخابات الرئاسية الكفيلة في إعادة إنتاج كل السلطة وإعطاء الأمل بمرحلة سياسية جديدة.

 

تحاول بعض القوى السياسية المزايدة بحرصها على تأليف حكومة بحجة أن البلد لا يحتمل الإستمرار لأربعة أشهر إضافية من دون حكومة، متجاهلةً أن عدم الرهان على التأليف مرده إلى خمسة أسباب رئيسية:

السبب الأول لأن الإنقاذ يستحيل أن يتحقّق عن طريق الفريق الحاكم، ومن جرّب المجرّب كان عقله مخرّبًا، فما لم يتحقّق في سنوات العهد المنصرمة لن يتحقّق في أشهر الولاية المتبقية، وبالتالي من يدعم تأليف حكومة يساهم في تمديد الأزمة ويمنح الفريق الحاكم الثقة والشرعية والمشروعية.

السبب الثاني لأن الفريق الحاكم يستقتل لتأليف حكومة تعيده من الباب السياسي إلى مجلس الوزراء بعدما أخرجته منه الثورة، وسيحاول أن ينتزع في الأشهر القليلة ما لم ينجح بانتزاعه في السنوات السابقة من تعيينات وتوظيفات ومكاسب، ما يعني أنه يجب منعه من تحقيق هدفه بدلاً من تسهيل له هذا الهدف.

السبب الثالث لأن هدف الفريق الحاكم من الحكومة عدم إجراء الانتخابات الرئاسية إلا بشروطه، والإستفادة من التأليف لإدارة الفراغ الرئاسي من موقع قوة ومن داخل الحكومة.

السبب الرابع لأن المنطق السياسي كان يفترض تقصير ولاية رئيس الجمهورية ستة أشهر أو إجراء الانتخابات الرئاسية فورًا بعد انتهاء الانتخابات النيابية على أن يتسلّم الرئيس الجديد سلطاته الدستورية في نهاية تشرين الأول، إذ كيف يمكن الرهان على حكومة جديدة لن تُبصر النور سوى بعد توقيع الرئيس عون لمراسيمها والذي لن يوقِّعها ما لم تعكس إرادة فريقه السياسي، ما يعني عودة القديم إلى قدمه؟

السبب الخامس لأن تأليف أي حكومة جديدة يستدعي اعتماد مقاربة جديدة في التأليف، ومن دون مقاربة من هذا النوع يعني مواصلة الترقيع من دون الإقدام على معالجات جذرية، فما الفائدة من تأليف حكومة جديدة بمقاربة قديمة تؤدي إلى استفحال الأزمة بدلا من حلها؟

فلكل هذه الأسباب مجتمعة وغيرها المطالبة بتأليف حكومة هي مضيعة للوقت مع فريق سياسي لا رهان عليه ومن الخطيئة منحه فرصة جديدة في الوقت الذي يجب تركيز كل الجهود لإنضاج الظروف الوطنية والسياسية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يُعاد معه تركيب السلطة على أسس جديدة، وكل ما هو خلاف ذلك يشكل تمديدًا للأزمة وإدخال البلاد في فصل جديد من الصراعات والإنقسامات والخلافات التي لا طائل منها.

ومن غير المستغرب أن بعض مكوّنات المعارضة التي استقالت من مجلس النواب السابق إعتراضًا على المنظومة وممارساتها تمنح هذه المنظومة المقطوع الأمل منها فرصة لتأليف حكومة في تناقض ما بعده تناقض في مواقفها، لأن هذه المكوّنات اعتادت على سياسة المزايدة وتسجيل النقاط في غير موضعها، وفي حال واصلت هذه السياسة ستتحمّل مسؤولية مثلثة: تغطية الفريق الحاكم بسعيه لتأليف حكومة 8 آذارية بامتياز، حرف الأنظار عن الانتخابات الرئاسية والمساهمة بالدفع باتجاه الفراغ الرئاسي، وتفويت الفرصة التاريخية لانتخاب رئيس جديد يضع البلاد على طريق الإنقاذ المطلوب.

وصحيح أن المهلة الدستورية تبدأ في الأول من أيلول، أي بعد شهرين فقط لا غير، إلا أن المهلة السياسية بدأت بعد الانتخابات النيابية في 15 أيار، وانتظار المهلة الدستورية يعني إما الدخول في جلسات متتالية للبرلمان لا تفضي إلى انتخاب رئيس، وإما انتخاب رئيس من صفوف 8 آذار، فيما الأجدى يكمن في التهيئة الوطنية والسياسية لهذا الإستحقاق بما يفسح في المجال أمام التوافق على المواصفات والدور والإسم ويُصار إلى ترجمتها في الجلسة الانتخابية الأولى التي يدعو إليها رئيس مجلس النواب في مطلع المهلة الدستورية.

وانتخاب رئيس جديد للجمهورية بمواصفات المرحلة الوطنية وما عبّر عنه الناس في الانتخابات النيابية بتوقهم إلى التغيير يؤدي إلى ثلاث نتائج فورية:

النتيجة الأولى ترييح الوضع المالي باعتبار أن الثقة تشكل أحد مفاتيح الحلول للأزمة المتمادية، إذ مع كل مرحلة جديدة يرتفع منسوب الآمال بعلاجات ممكنة مع الحكم الجديد وهي بحكم المتعذرة مع العهد الحالي.

النتيجة الثانية ضرب فريق الحكم الجديد الحديد وهو حامٍ من خلال حرصه على عدم إهدار الفرصة الجديدة والإتعاظ من تجربة الفريق الحاكم بعدم تكرار الأخطاء – الخطايا نفسها وتقديم مقاربة جديدة للحكم تزاوج بين البعدين السيادي والتغييري، والإستفادة من الدعم الذي تمنحه القوى السياسية لكل عهد جديد، وهذا الدعم سيكون محدودًا بسقف زمني وبانتظار خطوات عملية.

النتيجة الثالثة منح المجتمعين الدولي والعربي فرصة للعهد الجديد من خلال مدّه بالدعم اللازم بعدما أصبح دعم الفريق الحالي هدرًا في غير محله، ومعلوم أنه يستحيل الخروج من الأزمة المالية من دون دعم خارجي جدي، وهذا الدعم شرطه ليس فقط سلطة جديدة، إنما سلطة بمقاربة وطنية جديدة.

وفي موازاة النتائج الفورية التي يؤمنها العهد الجديد، فإن الفرصة الذهبية الثمينة التي فوّتها العهد الحالي أنه لم يقارب المسائل الحيوية التي ما دامت معلّقة يعني دوام الأزمة الوطنية، وعدم المحاولة بحجة عدم تحقُّقها هو الخطيئة بحد نفسها، إذ بالتزامن مع اليوميات السياسية لا ينبغي إطلاقا إهمال القضايا الاستراتيجية التي يشكل حلها المعبر الأوحد للخروج من هذه الأزمة المتمادية، وبالتالي على رئيس الجمهورية الجديد أن يبادر فور تسلمه لسلطاته الدستورية إلى التركيز على ثلاث قضايا استراتيجية:

القضية الأولى تتعلّق بسلاح «حزب الله» الذي من الواجب الوطني وضعه على مشرحة طاولة حوار محدّدة بمدة زمنية كي لا يتحول حوارًا للحوار، وليس خافيًا على أحد أن الرئيس عون لم يوجِّه الدعوة لنقاش هذا الموضوع بسبب حلفه مع الحزب، فيما سلاح هذا الحزب يتحمّل المسؤولية الأساس في النكبة التي يعيشها الشعب اللبناني، ولا يجب التلهي بقضايا فرعية من دون تسليط الضوء على سلاح الحزب الذي يمنع قيام الدولة.

القضية الثانية ترتبط بالحياد الذي شكل أحد أعمدة ميثاق العام 1943 ومن دونه لما شهد لبنان إستقرارًا وازدهارّا وعُرف بسويسرا الشرق، ومعلوم أنه في اللحظة التي سقط فيها الحياد سقط الإستقرار وتفككت الدولة وطار الإزدهار، ويجب أن يستفيد الرئيس الجديد من انتخابه والدعم الدولي له من أجل الضغط لوضع الحياد بندًا أساسيًا في المفاوضات النووية مع إيران، وهذا التوجُّه يأتي في لحظة دولية وإقليمية ومحلية غير مواتية لطهران، ما يعني أن فرص انتزاعه قد تكون متوافرة أكثر من أي مرحلة سابقة، الأمر الذي يقتضي تحميل المجتمع الدولي مسؤولياته لأنه إذا لم يبادر يعني ليس فقط التضحية بلبنان، إنما تحوله مجددًا إلى مشكلة إقليمية كون الإستقرار لن يدوم مع أزمة مفتوحة.

القضية الثالثة تتصلّ باللامركزية الموسعة إلى أبعد الحدود والتي يجب على الرئيس الجديد أن يوجِّه الكتل النيابية ويدفع ويسهر على إقرارها، لأن الدول المركزية الناجحة في العالم تحولت إلى دول لامركزية، فكيف بالحري لدولة مركزية فاشلة مثل لبنان وكل الهدف من مركزيتها الصفقات والسمسرات على حساب البلد، فيما اللامركزية تؤدي إلى ترييح الناس في خدماتهم ويومياتهم وتوفِّر فرص العمل وتساهم في النهوض والإزدهار، فما المانع مثلاً من أن يكون هناك أكثر من مطار ومرافئ بمواصفات دولية؟ وما المانع من أن يكون لكل منطقة ماليتها وإدارتها غير المنفصلة عن الإدارة المركزية ولكن باستطاعتها أن تنظِّم شؤونها وتطوِّر مناطقها، الأمر الذي يولِّد منافسة جدية باتجاه الأفضل؟

وفي مطلق الحالات فإن المهمة الثلاثية الملحّة أمام الرئيس الجديد تختصر بالآتي: معالجة الوضع السيادي للدولة بحسم إزدواجية السلاح، ومعالجة الوضع الخارجي للدولة بإعلان دولي لحياد لبنان، ومعالجة وضع مركزية الدولة الذي أدى إلى فشلها بإعلان لامركزيتها، ومن دون التوصُّل إلى هذه المعالجات الثلاث ستبقى الأزمة تراوح.

 

شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل