برسم مفهوم المسؤوليّة

إنّ الكثيرين، عندنا، ممّن يستهوون لقب “مسؤول”، أو يتسوّلونه، لا علاقة لهم بمفهوم المسؤوليّة، ولا بالصيغة الإلزاميّة التي تؤهّل واحدهم لكي تطال يده هذا السقف. لذلك، ونحن على مشارف توصيل رئيس مسؤول، أرى، ومن واجبي المهنيّ كمفكّر إستراتيجيّ، أنّ التّذكير الصحّيّ، وطنيّا، بما ينطوي عليه مفهوم المسؤوليّة، لترميم علاقة ” المتسئلين ” به، هو خير جولة بقصد الفائدة، والفائدة فقط.

قال “ميكيافيللّي”، ” ليست الألقاب هي التي تكسب الناس مجدا، بل النّاس هم الذين يكسبون الألقاب مجدا”.

وقال آخر، “على المسؤول أن يصارع في بحر هائج، فالبحر الهادئ لا يصنع بحّارا ناجحا”.

هذان القولان يتعاطيان، حصرا، مع ما ينبغي أن يكون عليه سلوك المسؤول في ” دولتنا “، أيّا يكنْ هذا المسؤول، وأيّا يكنْ منصبه. من هنا، لن أسير بحذر، في مقاربة هذه المسألة الدّقيقة، حتى في ظلّ الحصار الذي تفرضه القبائل المعروفة على الألسنة والفكر، رسميّة أو وصائيّة، فالحقيقة كشجرة الزيتون، ربما لا تنمو بسرعة، لكنّها تزهر وتعيش طويلا. كذلك، كلّما زادت الحقيقة وضوحا على حدّ الحبر، ازداد أعداؤها، فلا تلبث أن تسطّر ملحمة حيّة تشكّل اتّصالا بين الخطر والجرأة، وهذا أداء الرّجال.

في الوطنيّات، ترفض المسؤوليّة أن يقام حفل تأبين للسيادة، فلا ينثر المسؤول رمادها في مواقفه المرذولة، وكأنّه، بذلك، يسلّم صكّ الوطن للفاتح. وترفض، أيضا، أن يكون المسؤول مشلول الولاء، والولاء يدرج في خانة الوفاء بالإنتماء، فلا يحرص المسؤول على الحنث بقسمه في صيانة الوطن، ولا يخضع للممنوعات المستوردة التي تلوّث البلاد بصواعق الموت. وترفض أنْ يرد اسم المسؤول في لائحة الرّاكعين الخامدين، صونا لكرامته الإنسانيّة والوطنيّة، فلا  يتخلّى عن لحظات الإباء المختومة بالدفاع عن حقّ الوطن بالحقّ. وترفض، أيضا، إلّا أن يكون المسؤول مقلقا لمسيّبي الأرض، ولمغتصبي شرفها، فلا يفوته جرعة العزم، والأمانة، والأصالة، في عزّة النّفس، متيقّنا من أنّ أحدا لا يستطيع امتطاء ظهره إلّا إذا كان منحنيا.

واستنادا، يخطئ من يحسب أنّ المسؤول في لبنان، إنْ أراد، لا يستطيع أن يحدث انتفاضة تصنع مفصلا، وثورة بيضاء تثري الشّعور بالإنتماء الى الكرامة، وموقف اعتزاز محصّنا بسلوك لا يتنفّس إلّا إباء. وبهذا، فقط، يبعد عن الكيان شهقة الموت، ويعيد الى معجم المسؤولية الوطنيّة ترانيم عناوينها، بعد أن شطبت بممارسات فاضحة ومدانة، أتت على بنيتها، بالكامل.

في السّلوك الوظيفيّ، ينبغي على المسؤول أن يدفع عنه تهمة التّقاعس، والفساد، واللّامبالاة، فلا ينأى بنفسه عن أبسط واجباته القانونيّة، عن قصْد، ليجعل الشّعب كبش محرقة في أتون موبقاته، وتقصيره، وانتهاكاته شرعة حقوق النّاس. وبالتالي، يحظر على المسؤول العتيد أن يكون امتدادا لمن انتدبوا الدولة في لبنان، وكانوا قطّاع طرق محميّين بعصابات الطّارئين، ومتآمرين على مشروع قيام الدولة وإدارتها، إنتهكوا مؤسّساتها وقدراتها بالنّهب، والسّمسرات، والصفقات، ما جرّع الناس مرّ الجوع، والضّيق، والعوز، وخسارة أبنائهم بالهجرة… من هنا، فالمسؤوليّة ترفض التعدّي السّافر على مكوّنات الوطن، فبه يثبت أنّ الزّمن العفن، القمعيّ، الذي ظنّ بأنّه انقرض، يمكن أن يبْعث حيّا.

في المواقف، ترفض المسؤوليّة ألّا يلامس المسؤول جراح الوطن، وكأنْ ليس في جبلته أنّ قدر الرّجال في المواقف لا في الصّفقات، في الثّبات لا في الرّضوخ، في الإلتزام بمنظومة الكرامة لا في المساومة عليها، في جعل السيادة قضيّته لا في مهادنة من اختطفوها، في الإيمان بأنّ إعادة لبنان الى حضن الحقّ هو واجب الحرّ، لا في تركه للباطل، في التأكيد على أنّ القرار يصنع في لبنان من مخزون الكرامة والشّرف، لا في التّنازل عنه لأصحاب حلم الإطباق على البلاد، والى الأبد. واستنادا، ترفض تامسؤوليّة أن يعاني المسؤول من العري الوطنيّ، فيسفك دم الكبرياء، والإعتزاز، والمبادئ، والسلوكيّات الأخلاقيّة، ومعنى الضّمير، ويغتال انتسابه، وجدانيّا، للعزّة الوطنيّة الحرّة، ما يفشل محاولاته تجميل قبحه، وديماغوجيته الرعناء، مهما حاول.

إنّ الناس، في لبنان، هم في ذروة الشّوق الى الخلاص، يريدون إسقاط خيار الخوف، عنهم، لذلك، تدعو المسؤوليّة المسؤول العتيد الى أن يتوجّه صوب نصب الكرامة، وأن يوقظ، فيه، النّبض الثّوريّ الذي لطالما رافق نضال لبنان في تطويع التاريخ، وأن يجهض خطط تقويض الوطن بالتحوّل من الطّاعة، والخضوع، والتّسليم، وخدمة مآرب الغريب بالتبعيّة، الى العمل على بناء تشكيلات وطنيّة، متضامنة، متقدّمة، تستعيد ما ضيّع من الحريّة، والسيادة، والتوق الى المستقبل.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل