.jpg)
بعد صدور البيان الثنائي عن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عبداللّه بو حبيب ب”التنصّل الخجول” من مسيّرات “حزب اللّه”، سارع هذا الأخير إلى تطويق البيان “المباغت” عبر دس تسريبات عن “انزعاج” رئيس الجمهورية ورئيس تيّاره، محاولاً التفريق واللعب على التناقض بين “العهد” ورئاسة الحكومة، وتوجيه اللوم والتأنيب إلى الوزير المحسوب على بعبدا.
وقد نجح “حزب اللّه”، بتلك التسريبات، في منع تبنّي بعبدا مضمون البيان بشكل علني وصريح، وفرض سكوتها على مسألة تخص صلاحياتها الدستورية، لأن الرئاسة الأولى هي المخوّلة دستورياً بإدارة المفاوضات وعقد المعاهدات، وكان عليها ان تسبق الجميع إلى إعلان موقف الدولة تجاه هذا التطور الخطير في تفرّد “حزب اللّه” ودخوله عنوةً في ملف التفاوض على الحدود البحرية مع إسرائيل.
ولم يكتفِ “الحزب” بالقفز من وراء الدولة إلى أمامها، ناقضاً تعهّدات أمينه العام حسن نصراللّه، بل طيّر في الواقع مسيّراته فوق بعبدا قبل توجيهها نحو “كاريش”، فأجبر رئيس الجمهورية على الصمت وكأنّ على رأسه الطير.
ولا تستطيع الرئاسة الأولى الاختباء وراء وزير الخارجية بحجة أنه يمثلها، فقد سبق ان أصدر بياناً ضد الغزو الروسي لأوكرانيا بطلب من رئيس الحكومة، ما أحرج قصر بعبدا الذي حاول استرضاء موسكو بأكثر من وسيلة شخصية وسياسية.
فكيف سيُرضي اليوم منفذ قرار المسيّرات ومصدر قرارها في طهران؟
هل بالاستمرار في التزام الصمت،
أم بالتنصّل من “البيان الثنائي”،
أم باعتماد “الغموض غير البنّاء” في قضية سيادية تمسّ جوهر صلاحيات رئيس الجمهورية؟
قد يكون لبنان على طريق اعتماد سياستين خارجيتين بشكل فعلي وغير نظري:
الأولى يقودها “حزب اللّه” ويفرضها على قصر بعبدا، على جاري العادة منذ 6 سنوات.
والثانية يقودها الرئيس ميقاتي ويمرّرها عبر وزير الخارجية، ولو بالمَونة… أو بالتغرير!
ولم يعُد ممكناً الاكتفاء ببيان استرضائي للوسيط الأميركي، ثمّ العودة إلى الرضوخ لإملاءات الميدان التي تفرضها إيران. فهذه المرة، يخضع موقف لبنان لمراقبة دقيقة ولصيقة، ولا يكتفي العالم، وفي مقدّمه الوسيط الأميركي، بتنميق أدبيات البيانات.
لذلك، لا شكّ في أن بيان ميقاتي – بو حبيب، على حذره و”لياقته”، يؤسس لمرحلة مختلفة عشية التغيير في موقع الرئاسة الأولى، ويشي بأن موازين القوى مقبل على التصويب والتعديل، بدأً من القمة العربية الأميركية الوشيكة.
ولم تكن تقديراتنا المتكررة منذ أشهر عن بداية النهاية ل”الشيعوية العسكرية” غباراً في الريح.
فكل المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت النزول من أعلى الشجرة، ومعها “حزب اللّه”… ومعهما سائر الأذرع والأدوات في هرم السلطة اللبنانية.