قال لهم الحكيم

أحب ما يقول الحكيم، ليس لأني احبه شخصياً، وانا احبه كثيراً بالتأكيد، ولكن لأننا نسمع كلاماً مغايراً عن التقليد البائد، كلام هيك في العنفوان، في الكرامة، في الحقيقة كما هي وليس كما نريد أن نسمعها، والحقيقة في لبنان صارت طعاماً يومياً للدجل والنفاق والعمالة.

قال الكثير في مقابلته الأخيرة، والكثير الذي قاله لم يعجب من يكرهون الحقيقة وهم كثر في لبنان. يقول سمير جعجع “أنا مرشح طبيعي لرئاسة الجمهورية لأننا نملك الأكثرية النيابية”.

لم يُعجب قوله ذاك كثر، لم يعجبهم الى درجة التهكم والمفاخرة بأن أكثرية جعجع النيابية، عاجزة عن اتخاذ أي قرار حازم لأنه وحيد ومعزول سياسياً، والكتل النيابية كافة ترفض التعاون معه حتى تلك التي تدعي أنها سيادية!

قد يكون بعض الكلام ذاك صحيحاً لناحية عزلة القوات السياسية، إذ يرفض البعض التعاون معها، وخصوصاً من يقولون انهم “تغييريون” في حين انهم حتى الساعة ما اتخذوا أي قرار سيادي تغييري ينطبق على اسم تكتلهم. والقصة لا تقف فقط عند هؤلاء، إذ ثمة “سياديين” يخشون، نعم يخشون التعاون مع القوات والقوى السيادية الأخرى، كي لا يبدو وكأنهم ذابوا من ضمنها والحكيم ينده عليهم جميعاً “لا نملك ترف الوقت والمفاضلة والمكابرة، وما بدنا حدن يحبنا، بدنا نتعاون لإنقاذ البلد”، ولا من يجيب ويستجيب!

قال الحكيم “إذا أجمعت المعارضة على وصولي إلى رئاسة الجمهورية، فإن كل شيء سيتغير”، وحملوا العبارة وكأنها جرم مشهود وبدأوا بالنعيق “أكيد كل شي رح يتغير للأسوأ”، لان الأسوأ بالنسبة لهؤلاء هو أن ينتشلهم من قعر الذل إذ اعتادوا المكان وصاروا يخشون ضوء الحرية، يخشون أن ينجح في انتشال البلد لأنه بذلك سيكشف فضائحهم المدوية، وكل المستور الأسود البشع اللامتناهي فيهم، يخشون أن ينجح وينكش عمق عمق فشلهم وعمالتهم وتواطؤهم الإجرامي غير المسبوق، على لبنان الكيان والدولة، لذلك يلجأون الى الهوم الاستباقي التافه، والى تلك السخرية المغمسة بالخوف منه ومن نزاهته. هي الرذيلة حين تخشى مواجهة الفضيلة إذاً.

قال لهم الحكيم “وضعنا ليس مستحيلاً، بل يقوم بين أكلة نهمين وحلفائهم، وهنا المقصود جماعة حزب الله من لديهم مشروع آخر لا علاقة له بمصالح الشعب اللبناني، هذا ما أوصل لبنان إلى حاله اليوم”، ويا رب تنجينا وكمن لدغته أفعى سامة، هبّوا جميعاً يرنمون الأنشودة البائدة إياها “صهيوني صهيوني سمير جعجع صهيوني”، وهم الذين بممارساتهم المجرمة بحق لبنان، غلبوا الصهاينة وتفوقوا عليهم.

قال سمير جعجع “لا اقبل مقايضة كرسي الرئاسة بالكف عن انتقاد سلاح حزب الله… ولماذا أقبل منصب الرئيس إن كنت سأصبح رئيساً مثل ميشال عون وأن أبقى تحت تأثير حزب الله واستراتيجياته وتحكّمه بالقرار اللبناني. إذا أردت أن أكون رئيساً للجمهورية فأنا أريد ممارسة صلاحيات الرئيس كاملة، كما نص عليه اتفاق الطائف”. هل من موقف لبناني صميم نظيف مشبع بالكرامة والعنفوان والمواطنة الصحيحة، أفضل مما قاله الرجل؟ رفع جعجع منصب الرئاسة الى مرتبة الحرية والكرامة والسيادة، ورفض أن يكون اقل من ذلك، فهل لان الحكيم نطق بالحقيقة هيك كما هي شفافة خالية من أي محاباة، أو زيف أو ممالقة أو تودد لأي جهة كانت، حتى هبّ الغيارى لانتقاده وتخوينه في سمفونية تفاهة وإسفاف من بعض لبنانيين ما فعلوا حتى الساعة سوى المساهمة الناشطة الفاعلة في تدمير لبنان ونهبه والزحف الذليل للمحتل الإيراني؟

طيب قال لهم أخيراً سمير جعجع “افضّل أن أكون مواطناً عادياً في دولة جدية قوية، أفضل من أن أكون رئيساً على جمهورية غير موجودة”، رفع الرجل بكلامه من شأن المواطن اللبناني العادي أمثالنا جميعاً، المواطن اللبناني المقاوم المناضل المكافح لأجل لقمة عيشه ولأجل بلاده وعزّتها، المواطن اللبناني الذي يستحق كل التكريم والانحناء لأنه لا يزال صامداً على الرغم من القتل اليومي الذي تمارسه دولته بحقه، على الرغم مما تفعله الميليشيا الحاكمة بمقدرات بلاده، وبمقدراته وممتلكاته وأمواله ورزقه وأبنائه. المواطن اللبناني الذي يصدّر يومياً ورغماً عنه أولاده، أفضل الأدمغة الشابة الى بلاد الاغتراب، لان تلك الجمهورية الذليلة ترفضهم، تحاربهم، تقف في طريق تطورهم، تنهبهم وتغرقهم الى تحت تحت تحت، الى حيث عدنا من أكثر الدول المتخلفة التي تبحث عن شمعة، شمعة وليس لمبة، لتضيء لياليها السود.

المواطن اللبناني المبدع الذي يحب الحياة الفرح والذي أعاد الحكيم بكلامه، القيمة لذاك المواطن المسحوق المدبوح بقهره على بلاده، وهو من بينهم، هو يناضل يكافح يقاوم ليصل الى برلمان حر مقاوم، الى جمهورية نبيلة تليق بتاريخها الضارب في جذور الأرض والعالم، ألا يحق له أن يرفض منصباً اذا كان الثمن الذل، وان يسعى لمنصب ليرقى بالشعب الى حيث يليق به، الى كرامة الإنسان والأرض؟

منذ نحو أربعين عاماً وسمير جعجع يكافح وهم ينصبون له العداء، هو يقاوم وهم يستسلمون، هو يصرخ وهم يصمّون آذانهم عمدا ويسخرون، هم ينتصرون في النهب والفساد والقتل والذل والمناصب، المناصب التي نصبت لهم مشانق العار قبل الحبال، وهو يتقوقع في الكرامة، في المواجهة الشريفة، في القتال، القتال وليس اقل، وليست دائما البنادق هي السلاح، إنما الموقف والمواجهة هي أيضاً أسلحة فتاكة، هو لا يقتل الناس بالرصاص، بل يقتل أعداء لبنان بالتصدي لاحتلالهم وفجورهم وإرهابهم، وكلما واجه كلما واجهوه، كلما احب لبنان كلما كرهوه.

قال لهم الحكيم ولنا الكثير، وانا أحب أن اسمع ما يقول الحكيم، لأنه حتى اللحظة لم أسمع ولم أرَ سواه حكيماً حقيقياً واحداً في جمهورية البؤساء الفاسدين تلك

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل