وطني… هل أنت الخائن أم أنا؟

انتظرت ذلك الفجر الأسود لأشهر طويلة. ترقّبت بالدقائق والساعات والأسابيع، علّني أنعم بنور الشمس على الضفة الأخرى من الكرة الأرضية.

جمعتُ ما تيسّر من ذكريات وطفولة وشباب ومستقبل ضائع في حقيبة، وتشبّثتُ بأجنحة تلك الطائرة التي ستُخرج عائلتي من الجحيم إلى النعيم.

نعم، غادرتُ لبنان.

غادرته بحثاً عن حياة تُريدها كل أمّ لأطفالها. لستُ أبحث عن المال، بل عن الكرامة. أعلم أنني خائنة لوطن احتضنني لكنه لم يُنصفني.

لا تزال تلك الليلة السوداء تُؤرقني. سوداء بجميع المعايير، غادرتُ على ضوء الهاتف. عانقتُ أميّ وقبّلت أختي على ضوء الهاتف أيضاً. حضنتُ أطفال العائلة على ضوء الهاتف.

تلمّستُ وجوههم، التي حرمني انقطاع التيّار الكهربائي من وداعها، حتى ولو لأطبع آخر ذكرى لي معهم. كنت أعلم موعد الطائرة، لكن من يدري متى العودة؟ الطفلة التي تركتها، هل ستظل تُفرِح الدمى يومها؟ والفتى الصغير، هل سأظل أميّز صوته الذي سيخشن ووجهه الذي سيحمل ملامح الرجولة؟ وعيون أمي، هل ستراني مجدداً؟

انتظرتُ ذاك الفجر الأسود ورحلت.

لكن الوطن لم يرحل مني. فأنا في بلاد النور والكرامة، لكن نسمة الهواء لا تنعشني، فأهلي وشعبي يختنقون. أنواع الخبز الكثيرة لا اشتهيها، لأن أهلي وشعبي لا يحصلون على لقمة منها، حتى لو اصطفوا في الطوابير.

ساعتي لا تزال مضبوطة على دقات قلب زحلتي وما تبقّى من خرير لنهر البردوني.

يوم الأحد، أحاول أن أسترق أصوات الضحكات ورائحة حفلات الشواء، لكنها لا تصلني. ليس لأنها غير عابرة للقارات، بل لأنها سُرِقت عن الموائد اللبنانية.

رحلتُ بدون وداع. لم أودّع قبر أبي، ولم أشرب آخر فنجان قهوة مع صديقي ولم اتصل بزميلتي.

رحلتُ بدون وداع لأنني لم أرد الهجرة، بل تمّ تهجيري. وهل يملك المُهجَّر ترف الحفلات والوداع؟

أنا هنا لست مغتربة ولا مُقيمة. أنا مجرّد رقم ضائع في دروب الحياة.

أمشي بين مئات الناس، لكنني لا أجد شخصاً واحداً يُلقي السلام. ولا عيون تبتسم لي، هل لأنني تركتُ سلامي في وطني، هناك في لبنان؟

هكذا أصبح مصيرنا الذي ساقونا إليه. غُرباء عن الوطن وخوارج في بلاد الله الواسعة. غُرباء إن لم تحملهم طائرة، ابتلعتهم قوارب الموت.

لقد ألقوا لعنتهم علينا. فجواز السفر يستحيل الحصول عليه، أمّا حيازته تُصنّفك على رأس لائحة الشعوب المنبوذة على الأرض.

لكن مهلاً

أنا لبنانية. لبنانية وحملتُ أرزتي في قلبي وتباركتُ. أنا من بلاد سُحِبَتْ كرامتها من فم الشيطان، فهل سيعصى علينا قطع رقاب توابع ومُلحقين؟

يا وطني، لن أسألك إن كنت أنا الخائنة أم أنت هو الذي لفظ الإنسان بداخلي. فالمحارب يعلم متى يعود خطوة إلى الخلف، ليعود وينطلق بقوّة تهدم المداميك وتُسقط العروش.

يا وطني، أرادوكَ جحيماً، لكنهم بأسفله سيتلوّون.

يا وطني، شمسكَ ستحرق ذلك الفجر الأسود.

وأعدك أنني سأعود يوماً. سأعود.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل