السيادة للمؤسسات لا للأشخاص

كتب أنطوان مراد في “المسيرة” – العدد 1730

السيادة للمؤسسات لا للأشخاص

الرئيس قوي بترفّعِه ولبنان يجافي كل إصلاح

 

تتكرر عبارة مؤسسات مع أكثر من لازمة وطنية أو سياسية، وكأنها ثابتة وضرورة  لتكتمل سيبة السيادة والإنتظام العام، فنقول دولة وشعب ومؤسسات، أو أرض وشعب ومؤسسات، أو دولة وجيش ومؤسسات، أو دولة القانون والمؤسسات. ويمكن لعنوان دولة المؤسسات أن يختصر الكثير، إذ يعني عمليًا وجود دولة سيدة فعلاً وتتمتع باستقلال معترف به دوليًا بما يمثله دستوريًا وقانونيًا، بحيث تكون المؤسسات هي الأساس وليس الأشخاص الذين يختصرون المؤسسات، على غرار ما هو حاصل اليوم في لبنان.

 

في أي حال، ليس صدفة أن تتضمن مقدمة الدستور اللبناني والتي تُعتبر جزءا لا يتجزأ منه، في فقرتها الأولى ما يلي:

«لبنان وطن سيد حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحد أرضًا وشعبًا ومؤسسات، في حدوده المنصوص عنها في هذا الدستور والمعترف بها دوليا.» وإيراد عبارة مؤسسات يعني أنها عامل من عوامل وحدة الوطن ومن رموز سيادته، وفي منطق الدولة والنظام تعني البلورة العملية لمفهوم الوحدة والسيادة.

وفي متن المقدمة أيضًا يعلن الدستور بإيجاز معبّر «لبنانَ جمهورية ديموقراطية برلمانية»، أي إن الجمهورية بحد ذاتها مؤسسة المؤسسات، لا سيما عندما يؤكد أن «الشعب مصدر السلطات» وينوّه بالفصل بين السلطات.

إن دولة المؤسسات تفترض المساواة بين جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات، مع التأكيد على أن واقع المؤسسات ينبغي أن يكون منبثقاً، ولو بشكل غير مباشر، من سلطة الشعب، أي أنها تمثل الشعب ويخضع من يتولى إدارتها وتنفيذ أهدافها للشعب وفق الآليات الديموقراطية والمحاسبية.

وما نعانيه اليوم هو غلبة أشخاص ماديين ومعنويين على الدولة، وتحديدًا على المؤسسات من خلال السيطرة على آليات القرار فيها وإلغاء الإعتبارات   القانونية والأصول الإدارية، فضلاً عن تغييب المحاسبة وشل المرجعية القضائية.

ففي فرنسا، وعلى رغم إنتصار الثورة الفرنسية وإرسائها نظامًا يفترض ارتكازه على المؤسسات، بعد إلغاء الملكية التي وصلت مع لويس الرابع عشر إلى حد اعتباره الملك الشمس، لم تنجح هذه الثورة في إطلاق دولة المؤسسات، بل ركزت على المبادئ العامة والقيم الجمهورية. وكان لا بد من إنتظار نابوليون بونابرت ليرسي مفهوم دولة المؤسسات ولو في ظل النظام الإمبراطوري.

لقد أطلق نابوليون، سلسلة مؤسسات ارتدت الطابع الإصلاحي على غرار مجلس الدولة وبنك فرنسا و»الكونكوردا» وهو الإتفاق الذي حسم الخلاف بين الدولة والكنيسة حول الثورة، كما أسس المدرسة الثانوية وهيئة الشرف والفرنك المعروف «بالجرمينال» وكان في أساس العملة الوطنية قبل التحوّل إلى اليورو، ومنصب مدير الناحية أي رئيس الإدارة المحلية على غرار القائمقام في لبنان، وأرسى أبرز القوانين كالقانون المدني والقانون الجزائي وبورصة باريس وغرف التجارة وسواها.

وفي لبنان تناوب رؤساء الجمهورية بعد الإستقلال على إرساء سلسلة من المؤسسات والتوجهات الإصلاحية، علمًا بأن الفرنسيين لبّوا بعض شروط الإنتداب لجهة المساعدة في إرساء المؤسسات، ولا يمكن في هذا المجال إنكار دور كل من الرئيسين بشارة الخوري وكميل شمعون مع معاونيهما، لكن الرئيس فؤاد شهاب يبقى الأبرز على هذا الصعيد، إذ عرف كيف يطبّق مفهوم دولة المؤسسات مع الحرص على الفصل بين السلطات وبين المؤسسات وبين الإعتبارات السياسية والطائفية والشخصية بقدر ما أمكن، ليبقى دور المكتب الثاني هو النقطة الرمادية على صفحته البيضاء.

أما الأهم بالنسبة لهذا المفهوم فهو وجود المؤسسات نفسها، ليس كمجرد إدارات عامة أو مؤسسات عامة، بل كمؤسسات دستورية عليا الى جانبها مؤسسات رديفة تساهم في إرساء الإنتظام العام والقانون وضبط وجوه الحياة العامة على مختلف الصعد.

 

المؤسسات الدستورية

المؤسسات الدستورية هي التي نص عليها الدستور اللبناني وأقر آليات عملها وهوامشها القانونية بنسبة أو بأخرى، وهي التالية بحسب الترتيب الوارد في النص الدستوري:

 

السلطة القضائية

السلطة المشترعة أو مجلس النواب

السلطة الإجرائية وتتوزع بين:

رئيس الجمهورية

رئيس مجلس الوزراء

مجلس الوزراء

المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء

المجلس الدستوري الذي حُرم من صلاحيته الأساسية المفترضة أي تفسير الدستور.

كما نص الدستور على مؤسسة إضافية هي مجلس الشيوخ، إذ ورد في المادة 22 أن هذا المجلس يتم استحداثه بعد انتخاب أول مجلس نواب على أساس وطني لا طائفي.

وبما أن الشعب مصدر السلطات كلها، وبما أن الشعب يعبّر عمليًا عن رأيه عبر الانتخابات النيابية، فإن مجلس النواب هو عمليًا المؤسسة الدستورية الأم والذي ينتخب رئيس الجمهورية ويُستشار إلزاميًا لاختيار رئيس الحكومة والحكومة، علما بأن تأليف الحكومة لا يكتمل رسميًا إلا بنيلها الثقة منه.

على أن التشريع إلى جانب المراقبة والمحاسبة والمساءلة هي الصلاحيات الأساسية للسلطة المشرّعة، لكن ثمة معوّقات أمام عمل هذه السلطة في الدستور والواقع، لجهة عدم وجود مهل واضحة يلتزم بها رئيس المجلس في إحالة مشاريع القوانين واقتراحات القوانين على اللجان أو على الهيئة العامة، ما يوفر لديه قدرة على التعطيل، فضلاً عن غياب الضوابط  حول مواقيت الدعوات للجلسات العامة أو للمجلس كهيئة انتخابية ما جعله بشكل أو بآخر شريكاً في السلطة التنفيذية سواء من باب التسهيل أو التعطيل.

وهذا ما يدفع إلى التساؤل عن الفترات الطويلة التي أقفل خلالها الرئيس نبيه بري مجلس النواب لأسباب سياسية وفي عز المواجهات بين 8 و14 آذار. على أن ثمة ملاحظات أخرى تحتاج الى معالجة لا سيما لجهة التركيبة الإدارية لمجلس النواب على مستوى التوظيف للمدنيين والعسكريين وغياب أية معايير موضوعية، الأمر الذي حوّل إدارة المجلس وشرطة المجلس إلى حالة فئوية غير سليمة بحسب بعض السياسيين والمراقبين.

وفي ما خص السلطة الإجرائية أو التنفيذية، فإن القرار فيها موزع عمليًا بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء، وهو ما يولّد أحيانا إشكاليات متنوّعة، لكن الأكيد أن حجة إنتزاع إتفاق الطائف أبرز الصلاحيات من رئيس الجمهورية لا تستقيم عمليًا، فرئيس الجمهورية يفرض نفسه وإيقاعه بقدر ما يكون متحررًا من الحسابات السياسية والفئوية الضيقة، وهو ما لم ينجح به الرئيس ميشال عون، بسبب سماحه بتمادي نفوذ وزير البلاط ورئيس التيار الوطني الحر، وإصرار رئيس الجمهورية على التصرّف أحياناً كطرف سياسي لا سيما في ضوء اتفاق مار مخايل. ومن علامات الأداء الإستنسابي إستقباله التظاهرة الشهيرة للتيار الوطني الحر عشية الثورة ومخاطبته المتظاهرين كزعيم للتيار.

ويحضر في هذا المعرض كلام أطلقه أخيرًا في ندوة سياسية الوزير السابق إدمون رزق أحد آخر النواب الذين شاركوا في اجتماعات الطائف، والذي كُلّف كوزير للعدل في حينه بكتابة نص التعديلات الدستورية بموجب الطائف، إذ يستهجن الكلام على انتزاع صلاحيات رئيس الجمهورية ويعتبر أن مهمة رئيس الجمهورية ودوره أقوى من الصلاحيات بحد ذاتها، فضلاً عن أن ترفّعه وتركيزه على أن تكون الدولة في خدمة مصالح الشعب، هي عوامل أساسية تجعله فعلاً رئيساً قوياً ويمكنه بدعم الشعب أن يفرض رؤيته، بدلاً من أن يدّعي القوة إستنادا إلى تأييده كزعيم سياسي مستغلاً هذه الصفة لزرع المحاسيب وتمرير الصفقات.

وبالنسبة لرئاسة الحكومة فهي للأسف اليوم تعاني نوعًا من التهميش، في ضوء إستغلال حلف «التيار» و«حزب الله» غياب الرئيس سعد الحريري عن الساحة، وهو غياب غير مبرّر برأي العديد من الوجوه السنيّة وعلى رأسهم مفتي الجمهورية الذي أصر على الدعوة للمشاركة في الانتخابات النيابية الأخيرة، علمًا بأن خيارات الرئيس الحريري التسووية مع «حزب الله» والوزير السابق جبران باسيل ساهمت في إضعاف حضوره في السلطة وخسر معها الدعم العربي والخليجي وبخاصة السعودي.

وهذا الواقع هو الذي شجع الرئيس عون على التصرف كأنه ما زال رئيسًا في الجمهورية الأولى قبل الطائف وإن بشكل معتور، وجعل «حزب الله» يتمادى في التحدي ومحاولات وضع اليد على القرار الرسمي، وصولاً إلى الإستخفاف بإدانة المحكمة الدولية ثلاثة من كوادره باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

ويبقى أن دولة المؤسسات تعني أيضا الإدارات الرسمية من وزارات ومديريات ومؤسسات عامة ومؤسسات متخصصة من مالية وأمنية، فضلاً عن مؤسسة القضاء التي تمثل السلطة الثالثة.

فالقضاء في لبنان يعاني الضغوط والإستنساب الفاضح واستعماله كمطية نتيجة سوء أداء بعض القضاة وارتهانهم للسلطة السياسية، وهو ما يعرقل التحقيق العدلي في تفجير مرفأ بيروت، ويترك العديد من المتهمين والمطلوبين والمدانين طليقين سواء في التفجير نفسه أو في اغتيال الرئيس الحريري أو في ملفات التهريب وسواها، بالإضافة إلى ظاهرة التمرّد على السلطة القضائية نفسها من قبل قضاة على غرار القاضية غادة عون بحجة محاربة الفساد، ليتبيّن أن المسألة تلبية لرغبات العهد في استهداف الأخصام.

ومن هنا يمكن فهم  الحملات التي تستهدف حاكم مصرف لبنان حصرًا، علمًا بأن المطلوب قبله ملاحقة كبار الفاسدين والسارقين لا سيما في ملف الكهرباء وملفات الفيول المغشوش وتهريب المحروقات والمواد الغذاية، وحينها فليُحكم الحاكم وكل من تثبت إدانته.

ولا يمكن إغفال ما تعرض له قائد الجيش من تشكيك واتهامات مغرضة ربما لاعتباره منافسًا على موقع الرئاسة الأولى، وهو أمر يصح على رئيس مجلس القضاء الأعلى الذي تعرض لحملات تهويل وابتزاز، وتاليا فإن المواقع الثلاثة التي يشغلها موارنه ينظر إليها من يعتبر أن من حقه وراثة الكرسي على أن شاغليها منافسون جديون له، ولا مشكلة إن تسبب بإرباكهم وتاليا إرباك المؤسسات التي يقودون كرمى لحساباته السلطوية.

وهذه الصورة ليست دفاعًا عن المسؤولين الثلاثة على رأس المؤسسات النقدية والقضائية والعسكرية كموارنة، بل حرصًا على حماية المؤسسات التي يقودون من تداعيات الحملات الخاطئة والعشوائية، لأن هذه المؤسسات هي الضمانة لما تبقى.

 

الولايات المتحدة الأميركية

المحكمة العليا الاتحادية في الولايات المتحدة الأميركية هي الأشهر في العالم، وتمثل ضمانة الحفاظ على الوحدة القضائية في البلاد، علمًا أن التفسير النهائي للقانون والدستور هو من صلاحيات هذه المحكمة وليس من صلاحيات الكونغرس أو من صلاحيات السلطة التشريعية كما في لبنان.

تتألف هذه المحكمة من رئيس وثمانية قضاة معاونين، يعيّنهم الرئيس الأميركي ويوافق عليهم مجلس الشيوخ بالتصويت عليهم بالأغلبية، ويبقى القضاة في مناصبهم مدى الحياة ما دام سلوكهم حسناً وصحتهم جيدة، أو تمت إدانتهم بمخالفة واجباتهم.

وعلى رغم أن تعيينهم يتم من السلطة السياسية فإنه يتخذ جدلاً كبيرًا وطويلاً ويخضع لرقابة لصيقة حيال تاريخهم الأخلاقي.

وفي فرنسا التي استوحى لبنان منها الكثير من تشريعاته القضائية ولا سيما لجهة فصل السلطات، فإن القضاء فيها مستقل باستثناء تعيين كبار القضاة من قبل رئيس الجمهورية باقتراح من وزير العدل بعد الوقوف على رأي مجلس القضاء الأعلى، أي وفق الآلية المعتمدة بنسبة كبيرة في لبنان، لكن الفارق أن القضاة في فرنسا يتمتعون باستقلالية واسعة جدًا على صعيد المرجعية الضميرية، وقد واجه العديد منهم السلطة الساسية بشراسة في العقود الثلاثة الماضية وحتى اليوم وبينهم Eva Joly و Fabrice Burgaud، علمًا بأن القضاء الفرنسي لم يتردد في إدانة الوزير الشهير ورجل الأعمال برنار تابي وبعده الرئيس السابق نيكولا ساركوزي.

أنطوان مراد – مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” لشؤون الرئاسة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل