![]()
كتب المحامي أنطوان عون في “المسيرة” – العدد 1730
1 – في خاتمة المقال السابق المنشور في مجلة “المسيرة” ـ النجوى العدد 1729 ـ أيار 2022، وتحت عنوان “الشعب لبّى النداء فتغيّر المزاج السياسي. ماذا عن الإستحقاقات الدستورية؟” (ص 8 الى 11)، حيث أجريت قراءة أولية لنتائج الانتخابات النيابية للعام 2022، كنا قد خلصنا الى أن المطلوب أولاً من جميع القوى والأحزاب والشخصيات التي منحها الشعب اللبناني ثقته، إنشاء جبهة سياسية سيادية تغييرية منسجمة، ومتفاهمة على ميثاق أو وثيقة إعلان مبادئ سيادية، إستقلالية، تغييرية، ذات رؤية إجتماعية، اقتصادية، إنسانية تكون عنواناً جامعًا وسقفاً مشتركاً لبرنامج النضال السياسي، على المستوى البرلماني في مجلس النواب، وعلى المستوى التنفيذي في مجلس الوزراء، وعلى المستوى القيادي في رئاسة الجمهورية العتيدة، يلتزم الجميع بالعمل على تحقيقه إنقاذاً للوطن والإنسان، تحت طائلة المحاسبة السياسية المسؤولة، الجدية والموضوعية، بعد أربع سنوات في الانتخابات النيابية لعام 2026، أو بعد ست سنوات في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
2 – وفي المرحلة الراهنة، وبعد ما شهدنا أكثر من إستحقاق في المجلس النيابي، الأول في انتخاب رئيس المجلس ونائبه وأمين سرّ هيئة مكتب المجلس، والثاني في تشكيل اللجان النيابية وانتخاب رؤساء اللجان، لا بدّ من إجراء قراءة موضوعية لأداء الكتل النيابية المعارضة وكيفية مقاربتها لهذين الإستحقاقين، تمظهرت السمة الغالبة على ذلك الأداء عبر غياب المواقف المنسّقة والمنسجمة مع مقتضيات التغيير المنشود ومكافحة الفساد واستعادة الدولة وإعادة النهوض بالمؤسسات الدستورية والشرعية.
وقد تبلور هذا الغياب بمناسبة توزّع الأصوات ووضع الأوراق البيضاء، وغياب الترشيح المنسّق لنواب يمثلون كتلة النواب الجدد والكتل الممثلة للأحزاب السيادية والنواب المستقلين، الذين منحهم الشعب اللبناني ثقته، مما انعكس في صورة عدم الإنسجام مع الطروحات والعناوين السيادية والتغييرية التي تم خوض الانتخابات النيابية على أساسها.
3 – من هنا ضرورة القيام بمراجعة نقدية، موضوعية وصادقة، تترتب على كل نائب أو تكتل معارض للسياسة العامة السائدة منذ 2016 وحتى تاريخه من قبل السلطات العامة وتموضعها الإقليمي والدولي وأدائها السياسي الداخلي. وهذه القراءة النقدية يُفترض بها أن ترتكز الى تقييم موضوعي واقعي وشفّاف لصياغة تفاهم وتنسيق بين الكتل المعارضة، باتجاه القبول المتبادل بالأحجام والأدوار، والإعتراف بضرورة التوافق على الحد الأدنى من المبادئ العامة لبرنامج عمل سياسي، برلماني ووزاري، يخدم ما تعهّدت به تلك القوى التغييرية وتلك الأحزاب السيادية، وتلك الشخصيات المستقلّة، ووعدت بتحقيقه أمام الرأي العام اللبناني والناخبين الذين منحوهم أصواتاً تفضيلية جاءت بهم الى الندوة البرلمانية، وولّدت أجواء من الإيجابية وأملاً بالخروج بلبنان من المستنقع الجهنمي الذي يعيشه، وإعادة التموضع على الطريق الصحيح لإنقاذ ما تبقّى من الوطن المشلّع والشعب المعذب على درب الجلجلة اليومية.
4 – وفي هذا السياق، مطلوب أولاً من تلك القوى والكتل البرلمانية والأحزاب أن تعي وتقبل مبدأ التعاون في ما بينها، مع إحترام المساواة في الحقوق والواجبات والتخلي عن مقولة الأحكام المطلقة والشمولية، وغير الواقعية بكل حال، وغير المنتجة وغير المفيدة المختصرة بعبارة «كلّن يعني كلّن»، لأنها هي التي أدّت بشكل أساسي الى الشرذمة وتشتت الأصوات في محطات إقتراع وتصويت أساسية في الحياة البرلمانية، مما ساهم في إظهار نتائج مخيّبة لآمال القواعد الشعبية الرافضة للنهج السائد، والمطالبة بثورة حقيقية بنّاءة وهادفة ومنظمة، والتي لا يمكن تحقيقها في الندوة البرلمانية وفي العمل السياسي والدستوري إلا عبر التعاضد والتفاهم والتنسيق مع الأحزاب السياسية السيادية والتغييرية، والإستفادة من خبراتها ونضالها البرلماني والإستقلالي والسيادي والشفّاف لمحاسبة المسؤولين على ما أوصلوا البلاد إليه من إنهيار شامل.
5 – وفي السياق ذاته، على الجميع أن يستوعبوا أن التصويت بمناسبة الإستحقاقات الدستورية التي يُقبل عليها لبنان، وفي ظل الواقع السياسي والإجتماعي والاقتصادي والإنساني الملقي بثقله على منكبَيْ الوطن بكامله، لا يجب أن يحصل على أساس العلاقات الشخصية مع المرشحين، ولا سيما المنتمين الى خيار استراتيجي آخر مؤيد للنهج السائد، ولا على أساس مميّزات هؤلاء المرشحين الجيدة والمحترمة في العديد من الحالات، بل على مستوى إنتمائهم لكتل سياسية وخيارات استراتيجية وتموضع إقليمي ودولي، عاد على لبنان في المحصّلة، ومنذ العام 2011 وحتى تاريخه، بمسلسل من الويلات والكوارث والإنهيارات على كافة الصُعد، وسبّب تفكك الدولة ومؤسساتها، لا بل تحلّلها بشكل كامل، وانعكس تدميرًا منهجيًا للبنان الكيان والدولة.
6 – من هنا ضرورة إعادة تصحيح البوصلة السياسية على أساس، وعلى ضوء الخيارات الاستراتيجية الآيلة الى إنقاذ لبنان. وبالتالي، فإن أي تصويت غير هادف الى الخيار المنقذ للبنان، من شأنه القضاء على البلاد والعباد، ودفع الشعب الى اليأس والإحباط فالعنف، أو الى الهجرة الجماعية الى بلاد الله الواسعة، والشاملة للمواطنين اللبنانيين بكافة طوائفهم ومللهم ومذاهبهم ومشاربهم وتموضعاتهم السياسية، وصولاً الى زوال لبنان، دولة وشعبًا ومؤسسات، وشطبه ـ لا سمح الله ـ عن الخارطة.
7 – ويجدر التشديد بما يتعلق بالجهد المطلوب بذله من قبل الكتل البرلمانية المعارضة للنهج السائد، ولا سيما من قبل النواب الجدد القادمين الى الندوة البرلمانية باسم ثورة 17 تشرين الأول 2019، أن المطلوب هو مقاربة اللعبة البرلمانية والحياة السياسية بروح موضوعية وإيجابية للتعاون مع الكتل المعارضة الأخرى، بعيدا من الإختلافات التكتية والقراءات المتمايزة للأسلوب المطلوب سلوكه داخل البرلمان، في روح مشاركة موضوعية مرتكزة الى عناوين تشكّل أرضية مشتركة لجعل الأداء البرلماني هادفاً بوضوح لتحقيق الأهداف السيادية والإستقلالية والإصلاحية، وحماية حقوق المواطنين الإجتماعية والإنسانية والصحية والاقتصادية، وحفظ الحريات العامة والخاصة، وبناء الجمهورية القوية والدولة العادلة.
8 – وكذلك الأمر، ومن جهة مقابلة، مطلوب من كافة الأحزاب السيادية والإستقلالية، المؤمنة بأن إستعادة السيادة والدولة والمؤسسات، تمرّ وتستدعي حكمًا النضال باتجاه الثورة على الفساد وتغيير أداء السلطات والإدارات العامة والمسؤولين اللبنانيين في الدولة اللبنانية، مطلوب منها أن تلاقي كتلة النواب الجدد الى منتصف الطريق، وتبادر بأن تعرض عليها مشروع ميثاق مشترك للعمل السياسي، ينسّق الجهود لتحقيق المصالح اللبنانية العليا، ويبلور العنوان الذي منح الشعب اللبناني بأكثريته الواضحة ثقته على أساسها، الى النواب المنتخبين في مجلس 2022.
9 – وختامًا، لا بدّ من التذكير بأن البرلمان الجديد أمام إستحقاقات دستورية مصيرية، تقتضي مقاربتها بروح المسؤولية والإلتزام بالخط السيادي والإستقلالي والتغييري، وأبرزها الإستشارات النيابية الملزمة المؤدية الى تشكيل حكومة جديدة تحمل لواء السلطة التنفيذية وتمارسها دستوريًا بعد إنتهاء العهد الرئاسي في حال تعذّر ـ لا سمح الله ـ إنتخاب رئيس جديد للجمهورية بتاريخ هذا الإستحقاق المفصلي في الحياة السياسية اللبنانية، في 31 تشرين الأول 2022، وذلك تفاديًا للفراغ الرئاسي.
10- ولا مجال للشك في أن خطورة تلك المرحلة وهذين الإستحقاقين الدستوريين ومدى تأثيرهما على رسم معالم وجود لبنان كدولة وكيان، لسنوات عديدة، إن لم نقل لعقود مقبلة من السنين. وهذا ما يفسّر الأهمية الفائقة لمقاربة هذين الإستحقاقين بكل روح المسؤولية والإلتزام بمصلحة لبنان العليا، وكلنا أمل بغدٍ مشرق ووعي سياسي بنّاء وناضج لمقاربة المرحلة التاريخية المقبلة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]