Site icon Lebanese Forces Official Website

شهية تركية مفتوحة: إجتياح خامس لسوريا

كتب جو حمورة في “المسيرة” – العدد 1730

مع تعثر الإجتياح الروسي لأوكرانيا، تسعى تركيا إلى الإستفادة من الوضع القائم في أوروبا. من ناحية أولى، تريد أنقرة تعزيز مكانتها الدولية ودورها الرائد في مقابل الغرب، وهي نجحت، إلى حدّ كبير، في تحقيق ذلك. أما الناحية الأخرى، فهي الإستفادة من الوهن الروسي الظاهر، والتقدم مجدداً داخل التراب السوري.

منذ العام 2016، إجتاحت تركيا الأراضي السورية أربع مرات، فيما تبدو الشهية التركية قد فُتحت اليوم بعد غرق موسكو عميقاً في الوحل الأوكراني. هذا ويأتي الإجتياح المرتقب من ضمن الخطة التركية الهادفة إلى إنشاء مناطق آمنة في عمق حوالى 30 كيلومتراً على طول الحدود مع سوريا، وذلك من أجل تعزيز حماية الأمن القومي التركي من ناحية، كما ومن أجل إتاحة المجال لعودة عشرات آلاف اللاجئين السوريين إلى بلادهم من ناحية أخرى.

يعود مشروع إنشاء مناطق آمنة في سوريا إلى العام 2013، وهو مشروع حمله رئيس تركيا رجب طيب أردوغان وطاف به في المؤتمرات الدولية، غير أن ممانعة روسيا، إيران وبعض القوى الغربية له حالت دون تنفيذ المشروع كما أرادته تركيا. إلا أن الرفض الثابت للمشروع التركي لم يعنِ وقوف أنقرة كمتفرّج أمام تصاعد مخاطر ظهور القوى الإرهابية والميليشيات الكردية المعادية لها، فنفذت أربع إجتياحات متتالية لإبعاد الأخطار عنها.

صحيح أن الإجتياحات السابقة وكذلك القادمة تقوم على نفس الأدوات، وهي إستخدام القوة العسكرية، إلا أن الغاية تختلف الآن، بحيث أن الهدف الأساسي هو إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، وإعادة توطينهم فيها بإشراف تركي مباشر. هذا ولم يكن من الممكن أن تنفذ تركيا هذا المشروع قبل اجتياح روسيا لأوكرانيا، وحاجة موسكو والغرب على حدٍ سواء للدعم التركي.

على الرغم من الآثار السلبية للحرب في أوروبا على اقتصاد تركيا، إلا أن هذه الأخيرة تلعب دوراً رائداً في السياسة الدولية الآن. تقف أنقرة، وبشكل مرن، على مسافة من الأطراف المتقاتلة، فترفض الإجتياح الروسي من ناحية لكنها تتفهمه، كما تدعو أوكرانيا إلى طاولة المفاوضات وتستقبل مسؤولي البلدين للتفاوض عندها من ناحية أخرى، هذا طبعاً بعد تسليح كييف المستدام بطائرات من دون طيار لرد الإجتياح الروسي. تؤيد أنقرة، كذلك، توسيع حلف شمال الأطلسي ليشمل دولاً جديدة، إلا أنها تضع فيتو على فنلندا والسويد، فترفض عضويتهما في الحلف من دون بدل، حيث يطلق رئيسها ووزير خارجيتها كل يوم مواقف في هذ الخصوص تتضمن الكثير من الشروط «التعجيزية» على الدولتين الإسكندينافيتين.

هذا الدور التركي الرائد والمستفيد من الحرب في أوكرانيا، يعطيها هامشاً أوسع من المناورة في سوريا، ليس لإنشغال كل الدول المؤثِرة في الحرب الأوروبية وحسب، إنما لأن الجميع يخطب ودّ الأتراك، وخاصة روسيا. هذا ولا تبدو هذه الأخيرة ممتعضة من أي إجتياح تركي إضافي لسوريا، لا بل تبدو أنها مُشجعة على ذلك، خصوصاً بعدما قامت في الأسابيع القليلة الماضية بإعادة توزيع لقواتها العسكرية العاملة شمال سوريا بشكل يوحي بعدم النية بالإصطدام مع الجيش التركي.

عدا الموافقة الروسية، والقدرة التركية الحقيقية والفائقة على قضم المزيد من الأراضي السورية من دون رادع عسكري، عامل آخر يدخل في حسابات أنقرة للتقدم أكثر والتخفيف من وطأة الوجود السوري داخل تركيا. هذا العامل مرتبط بشكل مباشر بالانتخابات البرلمانية والرئاسية في العام القادم، وحاجة أردوغان وحزبه للفوز فيهما، خاصة وأن قوى المعارِضة لهما تزداد شعبيتها رويداً رويداً، فيما تستخدم خطاباً سياسياً موجّهاً ضدهما، وهو خطاب قائم، بشكل أساسي، على إبراز سوء إدارتهما للأزمة السورية وسلبيات وجود اللاجئين وتأثيرهم على الاقتصاد المحلي. هذا من دون ذِكر تزايد الصدامات الشعبية المتكررة بين الأتراك من ناحية واللاجئين في المدن بشكل خاص من ناحية أخرى، ولعب المعارضة على هذا الوتر عبر استخدامه كورقة إعلامية وسياسية يمكن أن ترفدها بالأصوات الساخطة على تعامل الدولة مع الملف السوري.

غاية الحكم التركي للبقاء في السلطة تبرر وسيلته، حتى وإن كانت إجتياحاً إضافياً للأراضي السورية، ونقل اللاجئين الراغبين بالعودة إلى شمال سوريا، وهي عملية قد بدأت في السنوات الماضية على جميع الأحوال. ومؤخراً زادت الحكومة التركية من المراكز في أراضيها التي تستقبل اللاجئين الراغبين بالعودة طوعاً إلى بلادهم، وهي مراكز تشهد إقبالاً متزايداً، ستنتهي بنقل هؤلاء اللاجئين إلى المنطقة الآمنة المقرر إنشاؤها بعد استكمال الإجتياح التركي الجديد والقادم.

يمكن تفهم السياسات التركية إن قيست بشكل عقلاني. هي سياسة جدّ واقعية تضع مصالح البلاد القومية فوق كل اعتبار، ومصالح الحكّام بالبقاء في الحكم دون الإعتبار لأي أمر آخر. سياسة لا تكترث للمشاعر والحقوق والإنسانية والفضائل، بل للمصالح حصراً. مصلحة تركيا بأن تكون حاجة لروسيا والغرب في أوروبا لتزيد من نفوذها ودورها، وهي كذلك. مصلحة تركيا بأن تحقق مكاسب من الدول الإسكندنافية مقابل القبول بهم أعضاء في حلف الناتو. مصلحة تركيا في إعادة اللاجئين لتحقيق فوز في الانتخابات القادمة والتخفيف من الأزمة الاقتصادية الداخلية…

بمقابل ملاحظة واقعية السياسة الخارجية التركية، يمكن ملاحظة هامشية الأزمة السورية. ما عادت سوريا، وخاصة بعد الإجتياح الروسي لأوكرانيا، تشكل أي مصدر قلق أو حتى اكتراث من أحد. باتت سوريا هامشية وحربها لا تعني الكثير من الدول، ولا حتى بقي كثر منهم معنيون بإقامة سلام فيها، أو التوصّل إلى حلّ منصف للأزمة فيها.

أمام المسعى التركي المستجد للتخلّص من اللاجئين وإعادتهم إلى بلادهم، يبرز سؤال أساسي وموازٍ عن دور الدول الأخرى في هذا المجال، وخاصة للأردن وللبنان، وعن خططهما لإعادة النازحين وإراحت بلادهما من وطأة الأزمات الاقتصادية المتشعبة. وهو سؤال أساسي لا بد أن يُسأل في القريب العاجل، فهل النية موجودة أصلاً لإعادة اللاجئين طوعياً؟ وبحال وُجدت، كيف السبيل إلى ذلك من دون الدخول في أزمات سياسية أو عسكرية جديدة؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​

Exit mobile version