
كتب النائب رازي الحاج في “المسيرة” – العدد 1730
منذ انطلاق الأزمة وانهيار سعر الصرف، كان كل التركيز خلال سنتين ونصف السنة على موضوع الخسائر المحقّقة. وهذه المسألة على الرغم من أهميتها، كان مفروضًا أن تُجيب عن سؤالين: أولًا لماذا وصلنا إلى هنا؟ وثانيًا كيف يمكن الخروج من هذه الأزمة العميقة؟ وكيف يمكن ألا نُعمِّقها أكثر، وأن نخرج بحلول تخفف من وطأة هذا الإنهيار؟ ما حصل للأسف أننا كنا أمام نظام إقتصادي مبني على سياسة مالية وسياسة نقدية غير سليمتين. في السياسة النقدية كان هناك دعم للعملة أعطى الناس قدرة شرائية أكبر من إيراداتهم الفعلية، وفي السياسة المالية كانت الدولة تصرف وتهدر أكثر مما تحصّل من إيرادات من خلال الموازنات العامة التي حققت عجزًا كبيرًا جدًا، كان يموَّل عبر زيادة الدين العام.
هذا النموذج، أدّى إلى وجود دولة وشعب يُنفقان معًا أكثر مما يُحصّلان. وبغياب خطة إستثمارية تُحقِّق النمو، عشنا في ركود لحوالى عشر سنوات. ومنذ العام 2011 بدأ ما يسمّى بميزان المدفوعات يُسجِّل أرقامًا سلبية. وكان يُفترَض اليوم أن نقول إن هذه الأزمة كي لا تتعمّق أكثر، علينا أن نُجري إصلاحات على مستوى السياستين المالية والنقدية. وهذه الإصلاحات لو كانت في حينها تُعتبَر موجعة بالنسبة إلى الناس، إنما الأكيد أنها لا تمثِّل أكثر من واحد في المئة مما عاناه اللبنانيون خلال السنتين ونصف السنة الماضيتين من إنهيار في قدراتهم الشرائية وحجز ودائعهم في المصارف، إضافة إلى تطبيق الكابيتال كونترول المقنّع باستنسابية كبيرة من قبل المصارف. لذلك فما وصلنا إليه من أزمة، سببه نقدي – مالي، ولكن إدارة الأزمة في شكل سيِّئ عمّقتها أكثر وولّدت أزمات أكبر.
لهذا السبب، فلمسألة الخسائر حيّز مهم من خطة التعافي، ولكن لا يجوز أن تكون هي الأساس. فأي خطة لا تقوم على إعادة إطلاق الإقتصاد هي غير مجدية، لأن توزيع الخسائر وإعادة هيكلة المصارف، وتصفية ميزانية مصرف لبنان، وفك الترابط بالتزاماته تجاه المصارف، وفك الترابط بالتزامات الدولة تجاهه… كل هذا لا يَحل المشكلة، لكن ما يعنيني اليوم أن هذه الخطة التي تُسمّى إقتصادية، تحاول إجراء هيكلة مالية ونقدية فقط ولا تتطرّق إلى كيفية إطلاق الإقتصاد وإعادة بناء سياسة إستثمارية وتحقيق نمو مستقبلي، لأن بدون نمو لا يمكن أن نصل إلى انتعاش.
أما بالنسبة إلى ما تناولَته خطة التعافي حول الودائع، فإنني أنظر إلى الموضوع من زاويتين: المودع اللبناني الذي احتُجِزَت وديعته في المصرف وتم تذويب جزء منها وضرب قيمتها الشرائية الفعلية. وأيضا جزء من المودعين هم عاملون ومنتجون ضُرِبت مداخيلهم أيضا. وبالتالي هناك خسائر تحققت ما بعد الأزمة لم تُحتسَب، فمن يحتسب هذه الخسائر؟ مثلًا تراجعَ الناتج العام المحلي من 60 مليار دولار إلى 20 أو إلى 18 مليار دولار، أي أننا نكون قد حققنا خسائر توازي الفجوة المالية القائمة. ولذلك لا بد أولًا من تفعيل الإقتصاد، وهذا يتم ضمن خطة ثلاثية الأبعاد: سياسة مالية وسياسة نقدية وسياسة إقتصادية. وهناك ضرورة لعقد اتفاق مع صندوق النقد، كما أن هناك ضرورة لانتظام النظام المصرفي ليعود إلى دوره الطبيعي.
فعلى مستوى القانون الطارئ لإعادة الهيكلة، تدرك المصارف جيدًا أن هناك تراتبية في تحمُّل المسؤوليات ولا يمكن لهذه التراتبية أن تبدأ بالمودعين الذين نالوا قسطهم من الخسائر والتي اتت وفق 3 انواع: خسائر في ودائعهم المجمّدة التي لم يتمكنوا من سحبها فتدنت قيمتها، الهيركات الذي فرض على رؤوس الأموال من خلال التعاميم التي أصدرها المركزي والتي أدّت الى تذويب هذه الودائع، وتحميل المودع الخسارة الكبيرة في كل مرة يسحب أمواله من البنك، لأن قدرته الشرائية كانت تتآكل بسبب انهيار سعر الصرف والتضخم الكبير ونصيبه المستقبلي من الناتج المحلي الإجمالي، وهو سيحتاج الى وقت طويل قبل أن يعود إلى المستوى المطلوب.
انطلاقاً من ذلك، نحن نُصرّ على ألّا يتضمن القانون أية فقرات أو مواد تُعطي الحق أو تخوّل أي جهة الإستنسابية، وإذا وردت، يجب أن تكون محدودة جدًا واستثنائية ولها علاقة بقضايا تقنية، مع الحرص على ألّا تُضر بجوهر القانون. من هنا ضرورة إقرار قانون طارئ لهيكلة المصارف بما يفتح الباب، على سبيل المثال لا الحصر، لدخول مصارف أجنبية إلى السوق اللبناني. لكن على المصارف، والتي لا يجوز التعاطي معها بطريقة كيدية، أن تقوم بدورها بإعادة الودائع. وأشدِّد هنا على أن الودائع لا يجوز أن تُلغى بأي خطة بل يجب أن تُعاد خصوصًا لصغار ومتوسطي المودعين. كما أن هناك من استفاد سابقاً من الوضع القائم وربما يكون عليه اليوم تحمّل بعض المسؤولية. في المحصّلة كلّه قابل للتفاوض، غير أن المشكلة الأساسية في الخطة أنها تتحدث عن أمس ولا تتحدث عن غد، أي كيفية إطلاق الإقتصاد.
فبالمبدأ العام لا يمكن وضع خطة إقتصادية مبنيّة فقط على مفهوم توزيع الخسائر، إنما على مفهوم إطلاق الإقتصاد. صحيح أنه من ضمن هذه الخطة لدينا خسائر في ميزانية مصرف لبنان، وميزانية المصارف التجارية، ودين عام، وحملة اليوروبوندز… إنما يجب ألّا تُشكِّل كل هذه التحدّيات عقبة أمام الخطة الإقتصادية التي تركِّز على ضرورة إطلاق الإقتصاد والإنتاج والدورة الإقتصادية القادرة على تعويض الخسائر وتحقيق النمو.
كما أننا على مستوى السياسة المالية، في حاجة إلى موازنة جديدة من دون عجز تنشّط الإستثمار وتُطلق الإصلاحات على مستوى الإدارة، وخلق بيئة الإعمال وإصلاح البنى التحتية، لأنه من دون بنى تحتية لا يمكن أن ينهض الإقتصاد. والأهم السياسة الإستثمارية، لذلك نتطلع إليها وبخاصة إعادة استقطاب الإستثمار الأجنبي، ما يساهم في إنعاش البلد بطريقة أسرع. ولدينا تصوّر على هذا الصعيد سنطلقه قريبا. فهناك ملاحظات كثيرة على مشروع الموازنة وبرأيي هي لا تقارب الواقع وتفتقر الى الإشارات الإصلاحية منها، على سبيل المثال فذلكة الموازنة، لا بل كان الأجدى تضمينها خطة التحوّل الرقمي لأنها تُعطي إشارة بالإصلاح الإداري. إنما الأولوية اليوم للإتفاق مع صندوق النقد، علمًا أننا لا نملك ترف الوقت.
ولتحقيق كل هذه الأمور نحن في حاجة إلى حكومة فاعلة ومجلس تشريعي منتج على مستويي التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية. وفي حاجة إلى إستقرار سياسي وأمني. وفي حاجة إلى انتظام الدولة بحيث تكون هي سيدة نفسها على مستوى سياساتها الخارجية والداخلية، فتقيم قضاءً مستقلًا وتُجري محاسبة تستعيد الثقة، لأن أي خطة لا يُمكن أن تنجح في ظل فقدان الثقة بين السلطة من جهة والناس والمجتمع الدولي من جهة أُخرى. لذلك فانتظام الدولة للعب دورها الأساسي يبقى أمرًا في غاية الأهمية.
رازي الحاج – نائب في البرلمان اللبناني
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
