Site icon Lebanese Forces Official Website

اللبنانيون بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة!

كتب د. أنطوان مسرّه في “المسيرة” – العدد 1730

اللبنانيون بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة!

العودة الى سلاح الموقف!

يروي فؤاد بطرس أنه في استعراض الظروف والتطورات والتوقعات طرح عليه الرئيس فؤاد شهاب السؤال: هل تعرف سابقة كان على سياسي لبناني أن يختار بين مصلحته الخاصة ومصلحة البلد فآثر مصلحة البلد على مصلحته الخاصة؟ يقول: «ترددت قليلاً وأجبته بأني لا أذكر سابقة من هذا القبيل. فصمت وهز رأسه. وحيال دقة الظروف والتوقعات السوداء نصحني عندما ودّعني بأن أحمل السلم بالطول لا بالعرض قاصدًا الحياة وإشكالاتها… وأني لا أزال أتأرجح بين الطول والعرض حتى اليوم».

كيف يتصرف لبنانيون في حال التضارب بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة؟ أستخلص من تجربتي في الحياة الإستحالة البشرية في تنزيه الذات عن أي مصلحة! النموذج الوحيد هو يسوع الذي لا يملك منزلاً ولا وسادة ولا شيئًا خاصًا به. كان متحررًا من الدفاع عن أي مصلحة خاصة. واستلهم من القديسين في التجرّد من أي مصلحة خاصة في مقاربة الحقيقة. وأستخلص من خبرتي، حتى في أرقى مستوى، خمسة أنواع من السلوكيات.

 

1. المصلحة العامة أولاً!

يوجد حالات بالغة الصعوبة والمخاطرة بالنسبة لأي إنسان في القدرة على تغليب المصلحة العامة على تعدّد وتنوّع المصالح والمصلحة الخاصة والأوضاع والظروف. لا يتوجب في كل الحالات قلب الطاولة على الجميع! قد يؤدي ذلك الى أضرار جسيمة ووطنية. ما يمكن فعله تسجيل موقف تعبيرًا عن مسؤولية ودفاعًا عن مبدأ.

 

2. مصلحتي الفردية فقط!

المصلحة الفردية طاغية بإطلاقية لدى البعض. لا يعاني الشخص هنا من أي نزاع داخلي! عندما تتعارض المصلحة العامة مع مصلحته الفردية: لا نزاع، لا صراع داخلي، لا تردّد: أنا أولاً! إنها قمة النرجسية التي قد تصل الى حالة مرضية عيادية sociopathie كما نعيشه في جهنم لبنان اليوم.

بعض الأشخاص الذين توسّمت فيهم الحرص على المصلحة العامة في قضايا عامة بالمطلق وبالتالي لا علاقة لهم بها شخصيًا، لا مباشرة ولا بشكل غير مباشر، يدافعون عن المصلحة العامة بقناعة وثبات! لكن إذا طرأت حادثة طفيفة تتعارض مع مصلحتهم الفردية: لا تردد، لا نزاع داخلي، المصلحة الفردية أولاً… وأخيرًا!

 

3. المهم: الصورة الاجتماعية!

بالنسبة للبعض صورتهم هي الأهم في المجتمع وتجميل الصورة والتهرّب من المواجهة حرصًا على الصورة بالرغم من القناعة الذاتية وحرصًا فقط على الصورة! هاجس الصورة أصبح ملازمًا لكل من يطمح لموقع عالٍ في ما يُسمّى الجمهورية اللبنانية في حين أن عبارة جمهورية république مُشتقة من res publica، أي الشأن العام.

 

4. تدوير الزوايا:

لبنانيون في مواقع مسؤولية، أو هم مرتبطون بعلاقات مصلحية مباشرة أو غير مباشرة،  أو هم مدجّنون على الزبائنية، في حالة تعارض مصلحة عامة مع مصلحتهم الفردية، لا يتنكّرون بالمطلق للمصلحة العامة، بل حرصًا على علاقاتهم الاجتماعية أو حلمهم مستقبليًا بالإرتقاء الى مركز مرموق، يتجنّبون أي وضوح في الموقف! يسعون الى تدوير الزوايا. الهدف: عدم الإضرار بالمطلق لزعيم، ولا إضرار بالمطلق لجهة منافسة. إنهم يعتمدون سلوكًا لبنانيًا سائدًا في أقوال شعبية: معليش، بيناتنا، شوفيها، لا تحمل السلم بالعرض، طرّيها…

إذا كان الموضوع يتعلّق بشؤون غير جوهرية فلا بأس بذلك. لكن عندما يتعلّق الموضوع بمبدأ أساسي ومعيار ناظم للحياة العامة، فهذا النوع من تدوير الزوايا يتراكم مع الزمن ثم ينفجر بعد سنوات مُحمّلاً بكل رواسب و»تظبيطات» و»ترقيعات» الماضي! بعض اللبنانيين خبراء في التموضع وعلى مسافة واحدة من الجميع équidistants. لا تُستعمل هذه العبارة في أصلها الأجنبي إلا في علم الهندسة géométrie، ما يعني أنها تتطلب درجة قصوى من الحسابات ولا شيء إلا… الحسابات!

 

5. بعض جماعات الإعتدال والسلم الأهلي والحوار:

قد يكون هؤلاء حسني النية، أو أصبحوا مدجّنين على شعارات متداولة في الحوار والتوافق، أو غالبًا غير مُدركين لقواعد ملازمة أصلاً لكل دولة وأي سلم أهلي ثابت وأي حوار! في بيانات مطوّلة ومواقف رنانة ومُلتبسة حول الحرص على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، يساهمون في التواطؤ مع قوى مُحتلة تُمارس الإبتزاز في الخيار: إما القبول بالدولة المحتلة أو زعزعة السلم الأهلي! على عكس ذلك يرد في إحدى اليافطات الانتخابية على أوتوستراد الدورة – جونيه: «دولة وسلم أهلي».

في أحد البيانات ترد عبارة «دولة» 18 مرة بدون ذكر ما يلازم الدولة في احتكار القوة المنظمة. قال عندئذ أحد المناضلين: هل تريدون العودة الى السلاح؟ نعم… سلاح الموقف!

يصب كل ذلك في ذهنية لبنانية مرضية هي المعليشية في قضايا جوهرية لا تتحمّل لا التسوية ولا إطلاقًا المساومة! أدرك ذلك دبلوماسيون مُعتمدون في لبنان في قول أحدهم: «إذا كنتم تريدون الإستمرار في الترقيع فلا تعتمدون بعد اليوم على دبلوماسيتنا!»

عندما نعيش سلوكيات ملتبسة أو تجميلية في التعاطي مع الحقيقة ومع قضايا الشأن العام، ترد في البال ما تقوله القديسة تريزا الطفل يسوع: «أي مفاجأة ستكون لنا في الآخرة حين نقرأ تاريخ النفوس!»

ليس هدف هذا العرض النقد، ولا إطلاقًا تبرئة ذاتية، بل التركيز على صفاء الفكر وصدقيته. كان يسوع متفهّمًا ورحومًا مع الخطأة وضعيفي الإيمان والمترددين وغير المدركين لأهمية ما يجري. لكن موقفه الدائم: «الويل لكم» بالنسبة الى الكتبة والمخادعين ومن يصفهم القرآن تكرارًا «بالمنافقين». يقول Paul Bourget: «إعمل كما تفكّر وإلا ستفكّر كما اعتدت أن تعيش!»

هل الضمير في عالم اليوم في حالة غيبوبة في التربية والحياة اليومية والحياة العامة؟ طرحت مرة السؤال خلال مناقشة على أحد المتحاورين: هل أنت ضميريًا مُقتنع بما تقول؟ إعتبر سؤالي إهانة! كنت أسعى، بصدق على ما أظن، لمراجعة ممكنة لموضوع قيد البحث. صفاء الضمير أساس كل فكر وسلوك.

 

فؤاد بطرس، المذكرات، إعداد أنطوان سعد ومدخل لخليل رامز سركيس، دار النهار، 2009، 604 ص).

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com​​​​​​​

Exit mobile version