نسيت الجمهورية هموم شعبها… ما هو مصير جورج توما؟

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1730

نسيت الجمهورية هموم شعبها… إبحثوا عن «المجرم» طوني خوري…!!!

ما هو مصير جورج توما؟

كانت مرحلة الانتخابات النيابية، والدنيا محمومة بالمواقف والتصريحات من الإتجاهات كافة. وكان لبنان غابة يافطات إعلانية، وحيث صور المرشحين تزرع الطرقات وتغطي نور الشمس ليس أقل، وإن كان لا نور ولا شمس لبعض الأسماء غير السيادية المرشحة، والتي أضفت ذاك الهذيان الانتخابي الذي قارب في أحيان كثيرة، القرف واليأس، ليس من مرشحين مماثلين وحسب، بل من شعب ما زال حتى اللحظة مصرّ على انتخاب جلاَّديه! وذات صباح، وزّع القوميون السوريون بعضا من لافتاتهم التي ترمز كالعادة الى الكيان السوري، على حساب الكيان اللبناني، بحسب ما يؤمن مناصروه، وتحديدًا في منطقة نهر الكلب في كسروان، لم يتحمّل المناضل طوني خوري المشهد، فصعد وبوضح النهار، وطلب من أحد أصدقائه أن يصوّره مباشرة عبر فايسبوك، وبالدهان الأحمر محى صورة الزوبعة، شعار القوميين، وكتب فوقها «بشير حي فينا»… وقامت الدنيا ولم تقعد!!!

ما علينا، توزعت إذن لائحات «القوات اللبنانية» الإعلانية في طول البلاد وعرضها، باللون الأحمر على طرقات لبنان، وعنوانها العريض «نحنا فينا». في أكثر من منطقة تعرّضت لافتاتنا للتخريب والتشويه، وما اكترثنا، اعتبرنا أن عملنا على الأرض هو شعاراتنا الحيّة التي يعيشها اللبنانيون، ولافتة بالزايد وأخرى بالناقص لن تنقص من رصيدنا شيئا بل على العكس تمامًا. ولم نلجأ لا الى القانون ولا حتى الى مجرد التعليق في أحيان كثيرة، على رغم التشويه الكبير الذي لحق بلافتاتنا الإعلانية، واكتفينا أحيانا هيك بتعليقاتنا الصغيرة على صفحات الفايسبوك وتويتر، ووقف الأمر عند هذا الحد…

على قدم واحدة وقفت الجمهورية الحرة المستقلة بحثاً عن «الصهيوني الإمبريالي العميل المزدوج» طوني خوري! نسيت الجمهورية العظيمة كل همومها ومصائبها وويلاتها، والإرتفاع الجنوني للدولار، ومعه إرتفاع محموم لأسعار السلع، والبنزين والمازوت. نسيت حتى التحضير للانتخابات النيابية التي كانت بعد أيام قليلة، وتجنّدت كلها بحثاً وتحرياً عن «مجرم العصر» طوني خوري، مرتكب الجريمة الإرهابية المروعة، التي تقارب بفظاعتها مجزرة تفجير المرفأ، ووصلت الى منزله بعد الساعة الواحدة ليلاً، قوة ضاربة من مخابرات الجيش، زرعت الرعب في قلوب أهل المنزل، خربوا الدني على طوني، خربوا البيت، ووجدوا طوني بسهولة إذ لم يكن أساسًا متواريًا عن الأنظار، كان في بيته مع عائلته، قيّدوا يديه واقتادوا «المجرم» الخطير الى الزنزانة، والتهمة؟؟

على أساس كانت تمزيق يافطة، ما يعني مسألة ساعات قليلة في الإحتجاز، لكن تهمة التمزيق زوربت لحالها وأعطت الأوامر لحالها لتتحول تباعًا وبطريقة «عجائبية»، على يد القاضي فادي عقيقي، الى المشاركة في تنفيذ غزوة عين الرمانة حيناً، وصولاً الى مرحلة تركيب ملف عمالة لإسرائيل في المرحلة الأخيرة من التحقيقات، من ثم محاولة إغتيال قائد الجيش، لتحطّ التهم العجائبية رحالها أخيرًا، عند تهمة التخطيط لإحداث فتنة في البلد!!!

وبناء على ما تقدّم أُودع طوني خوري، مع عشرات الموقوفين في زنزانة صغيرة ضيقة، بالكاد تتسع لخمسة أشخاص، وتبيّن لاحقا أنها الزنزانة نفسها التي اعتُقل فيها الدكتور سمير جعجع زمن الإحتلال السوري «شرف كبير إلي وما بستحقو، إني أقعد مطرح لـ اعتقلو  دكتورجعجع» يقول.

وبدأ مسار التحقيقات الذي دخل في الباطل المطلق من بابه العريض، وكل ذلك لأن طوني مناصر لـ»القوات اللبنانية»، والأهم من ذلك، لأن القاضي الذي يتولّى التحقيق، أخذ طرفاً سياسياً واضحاً، وانطلاقا من تطرّفه السياسي، أطلق التهم العشوائية على طوني، الذي لولا ملاحقة الدائرة القانونية في «القوات اللبنانية» لقضيته، لكان بقي سنتين على الأقل في الإعتقال!! «ركّبلي القاضي ملف عمالة ولزقني أربع تهم جاهزة، جرم التعامل مع إسرائيل بسبب بوست على فايسبوك، تهمة أني المسبب الأساسي لأحداث الطيونة، تهمة التحريض على قتل قائد الجيش، وتهمة تنظيم مجموعات لإثارة النعرات الطائفية، مين بيصدّق كل هالحكي المسيّس الفارغ من أي حقيقة؟!» يقول طوني خوري، ويعتبر أن هدف الحملة «بدن يقمعوني لأني قوات لبنانية ومش أكتر من هيك، وبس تكوني صاحبة مبدأ بيستعملوا معك العنف، وما عندن أي مشكلة بتركيب الملفات، كل شي جاهز وبأي لحظة للإيقاع بالناس الأحرار لـ بيرفضوا يحنوا رؤوسهم لهالمنظومة الفاسدة» يقول طوني، الذي شكّل اعتقاله قضية رأي عام، بحيث استنفرت وسائل التواصل الإجتماعي بطريقة لعلها غير مسبوقة، للضغط في اتجاه إطلاق طوني من المعتقل، والذي أرسل لرفاقه من خلف قضبان الإعتقال بأن «ما تخافوا عليّي أنا بتحمّل بس بدنا نضغط باتجاه رفيقنا جورج توما المعتقل من نحو سنة من دون أي حق». ولما تسأله لماذا الإعتداء على يافطة لآخرين يجيب بكل صراحة «بالمبدأ العام وبحرية الرأي، هيدا أمر ممنوع لأن مش لازم ناخد حقنا بإيدنا، لكن عنا لا دولة لا قضاء لا مساواة  بالقانون بين المواطنين، وأنا استفزتني كتير هاليافطة ل زرعوها عمدًا بهالمنطقة المعروفة الميول، فقررت آخد حق البشير بإيدي. كنت أريد أن أستفزّهم وأن أشد عصب اللبنانيين الأحرار، خصوصًا أن القوميين دائمًا في حال إستفزاز للبنانيين لأنهم يتباهون باغتيال البشير، والدولة لا تقترب منهم، لذلك قررت أن أنتقم بنفسي وأن أذكّرهم بأن البشير دائمًا حي فينا» يقول طوني، الذي ما أن خرج من الإعتقال حتى تحوّل الى ناشط حقوقي مطالبا بالعدالة لشباب في الإعتقال التعسفي كما قال.

خلف القضبان، إلتقى طوني عشرات الأسرى المعتقلين لأسباب سياسية، وتعرّف إليهم في زنزانته الضيقة واحدًا واحدًا «تصوّري ضعفت بشهر واحد 16 كيلو بسبب سوء المعاملة وسوء الأكل وانعدام النظافة، وتعرّفت على شباب ما في أحلا منهم، لكن مصيبتهم إنو البعض منهم معتقل من سنتين وبعد ما قابلهم القاضي، مش مقبول لـ عم يصير بلبنان، القضاء بلبنان مصيبة حقيقية» يقول باستنكار شديد، ويطالب بضرورة إلغاء ما يُسمّى بالمحكمة العسكرية في لبنان لأنها ضد الإنسانية، ولأنها «سوق الصفقات» بحسب تعبيره.

حتى اللحظة ما زال يتعرّض طوني لسيل من التهديدات من القوميين ومناصرين لـ»حزب الله»، لكنه لا يكترث ولا يخاف على نفسه إنما على عائلته، لذلك اضطُر لارسالهم الى أستراليا ليستكملوا دراستهم بعيدًا عن لبنان، هو الأب لستة أولاد «هيدا تمن لـ بيمشي بمسيرة النضال بلبنان، والثمن مش أربعين يوم تافهين بالإعتقال، لا أبدًا، هودي ولا شي على الإطلاق بمسيرة الأبطال. وحياة ولادي إني ما بحسد إلا الشهداء، شرف إلي إني موت متل ما مات لقمان سليم ورمزي عيراني ووسام عيد وهشام السلمان وسليم معيكي وسمير وديع وشلومو وكل شهدا 14 آذار، أنا نقطة مي ببحر هالمقاومة العظيمة» يقول طوني بتأثر كبير، ويُصرّ على نشر ما قاله له أحد المسؤولين في السجن «قللي يا طوني القاضي مغمّلك اياها وما بتطلع قبل بسنتين من هون، ولولا الدائرة القانونية في «القوات اللبنانية»، ومطالبة البطرك الراعي بإطلاقي ودعم رفاقي، لبقيت سنتين على الأقل بالسجن وما حدن عرف شي عني كما هو حاصل مع كثر الآن».

عند خروجه من الإعتقال صرخ أحد الشبان المعتقلين، «طوني ما تنساني»، التفت إليه طوني ووعده «خليك قوي خيّي علي مش رح إتركك» أجابه طوني، الذي حمل قضية الشاب علي حمود من النبطية المرمي منذ سنتين في السجن من دون محاكمة بتهمة العمالة، بسبب صورة له مع أخيه الملاحق من «حزب الله» لأنه ترك الحزب وهاجر!! «هيدا القضاء بلبنان، هيدي هي الدولة» يقول، وهو الأن يستعد للذهاب الى أستراليا لزيارة عيلته «بس راجع لهون، وهون بدي موت، ما بصمد بالخارج، بس وعدت ولادي إنو وين ما كانوا بهالدني رح يفتخروا فيّي، وأنا بكون ملك السعادة ساعة بصير الشهيد طوني خوري»، يقول ويذهب للإعتصام مع كثر للمطالبة بإطلاق المناضل جورج توما.

في المسار القانوني، لم تثبت على طوني خوري أي تهمة من تلك التي أطلقها القاضي فادي عقيقي، وتبيّن أن اعتقاله ما كان إلا من ضمن الكيد السياسي الصرف «كان واضح إنو قضية طوني خوري تدخل في إطار تركيب الملفات للإقتصاص من أصحاب الرأي الحر المناهض لمنطق السلطة الحاكمة. إعتقاله رجّعنا لزمن النظام الأمني اللبناني السوري، حين كان يعتقل الشباب بسبب انتمائهم الى «القوات اللبنانية» أو أي حزب آخر سيادي ضد الإحتلال السوري آنذاك، علما أن بحق طوني مذكرة توقيف غيابية على خلفية غزوة عين الرمانة، لكن من المعروف أن طوني وصل المكان متأخرًا وكانت الأحداث انتهت. أما قصة محو الزوبعة وبوست عبر فايسبوك، فكان من الواضح أنها قلوب مليانة، لذلك لم يكن صعبًا علينا إطلاقه لأن لا تهمة ثابتة على الإطلاق. والأهم من ذلك، أنه حتى حين يتعطل الضمير المهني عند البعض، نجده يستفيق عند آخرين، إذ إن قضية طوني خوري وبعدما خرجت عن مسارها القانوني الفعلي من خلال محاولة تركيب ملفات خطيرة وغير واقعية، إنتقلت الى يد قاض آخر، الأمر الذي سرّع في المسار القانوني بالإتجاه الصحيح لإطلاق طوني، وإلا لكان بقي شهورًا إضافية بعد في الإعتقال، وأنا أؤمن في نهاية المطاف أن ما بيصح إلا الصحيح» تقول رئيسة الدائرة القانونية في «القوات اللبنانية» المحامية إليان فخري، التي استنفرت كل إمكاناتها القانونية لإطلاق طوني، بعدما تأكد بما لا يقبل الجدل أن التهم الموجهة ضده مفبركة ولا تمت الى الواقع بأية صلة.

هل فعلا عاد زمن النظام الأمني اللبناني الإيراني هذه المرة؟ هل صار اللبنانيون جميعًا متهمين لمجرد إنتقادهم للعهد والسلطة الحاكمة وميليشيا الإحتلال؟ هل تحوَّل بوست بسيط على صفحة فايسبوك أو تويتر، الى رصاصة تطلقها مخابرات الدولة على الشعب اللبناني بإيعاز من المنظومة الحاكمة التي تحوّلت الى لعنة تلوكها ألسنة اللبنانيين على مدار الساعة؟ وهل أصلاً تتسع الحبوسة للبنانيين الأحرار كافة؟!

 

شو عمل جورج توما؟

«شو عمل جورج توما حتى صرلو شهور بالحبس؟ شو عمل جورج غير إنو دافع عن شرفو وعن بيتو وممتلكاتو؟ شو كان بدن الزعران إنو نرش عليهن مي مصلاية وهني هاجمين علينا بالقذايف والكلاشينات؟ زوجي مريض وحالتو سيئة، وناطرين يردوه لعيلتو، وهني ما بعرف شو ناطرين، بوقت تاركين برا لـ هجموا وقوّصوا وقتلوا العالم ووجوههم مكشوفة؟» تصرخ يولا، زوجة جورج توما، الذي ما زال معتقلاً منذ غزوة عين الرمانة، في ظروف صحية سيئة جدًا على الرجل المقاوم، والذي تهمته الرئيسة التي تقارب الجريمة الكبرى، في وطن سيطرة شريعة الغاب، أنه دافع عن ممتلكاته ضد غزوة الزعران المسلحين لمنطقة عين الرمانة الطيونة!!

لا أجوبة محددة من الدائرة القانونية في «القوات اللبنانية» في قضية جورج توما، لكن الدائرة تؤكد أنها تعمل من ضمن الأدلة المتاحة وتحت القانون بطبيعة الحال، ولن تترك قضية جورج توما لمزاج الجهاز الأمني اللبناني، أو حتى لمزاجية أي قاضٍ مشابه للقاضي الذي تولّى فبركة الملفات لطوني خوري، وهي تتابع المسار القانوني بحذافيره، وتتحفظ عن نشر المعلومات كافة بهذا الإطار كي لا تسيء الى التحقيقات من جهة، وبالتالي كي لا يؤثر الأمر على عملية إطلاق جورج توما بأسرع وقت ممكن.

في المحصِّلة، رجعت ليالي زمان، وعاد «ألق» النظام الأمني إياه إنما بوجوه وأسماء متنوّعة، وبدل السوري صار الإيراني، لكن المفارقة أن الأحرار هم هم ما تغيّروا، شباب «القوات اللبنانية» وكل السياديين أمثالهم. فيا أيها اللبنانيون أن تكونوا أحرارًا سياديين شرفاء مناضلين مقاومين فعليين لأجل الوطن، يعني أنتم مشروع معتقل، وفبركة الملفات القضائية جاهزة، أولها بالطبع العمالة لإسرائيل وليس آخرها إثارة النعرات والفتن الطائفية. وهكذا تمتلئ السجون بالأحرار ويسرح العملاء والجبناء والفاسدون والمحتلون على كيفهم، ويتحوّل لبنان الصغير الى معتقل كبير، سجّانوه أزلام المنظومة المحتلة، ورئيس السجن الكبير، كبير كبير العملاء ما غيره، وهم عمليًا ليسوا سوى صغارًا بصغار في مفكرة الوطن، ويستمر النضال…

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل