.jpg)
إنّ مُقاربتي هذه المسألة، أي تحديد مواصفات الرئيس العَتيدِ الأساسيّة، ليست، أبداً، في غير زمانِها، ولا أريدُها، أيضاً، موقفَ مُساجَلَة، أو رَدّاً مُلتَهِباً على مَنْ يُخالفُني الرّأي، إنّما توضيحاً لِأُسُسٍ مطلوبةٍ تُؤَمِّنُ سلامةَ الوطن، وتَضَعُ حَدّاً للتعدّي على مكوّناتِ سيادتِه، فيعيشُ أهلُهُ خيراً مُطلَقاً، وينتعشُ حلمُهم بأنّ زمنَهم المجيد سوف يُبعَثُ حَيّاً.
على الرئيس أن يدخلَ، من البابِ الواسع، الى كَنفِ السيادة، بانتسابِه الوجدانيّ الدائم للكرامة الوطنية، وفي ذلك إعلانٌ صريحٌ عن بدءِ مرحلةِ القدرةِ على تسييرِ شؤونِنا بأنفسِنا، واحتجاجٌ على المَساسِ العدوانيِّ بالأرضِ والنّاس. وهذا، بالذات، يُحدِثُ صدمةً نوعيّةً تُعيدُ الوَعيَ الى أنّ الإنتسابَ للوطنِ مُواجهةٌ وليستِ استِجداءً. وهي مواجهةٌ تقتضي جرأةً، وجرأةُ الرئيس ينبغي أن تكون صرخةً لها صَدىً، لذلك، عليهِ أن يجعلَ سيادةَ الوطن قضيّتَه، وهي قضيّةُ حقّ، مؤمِناً بأنّ الثَّباتَ على الحقّ واجِبُ المسؤول الحُرّ.
على الرئيس أن يُعيدَ العالَمَ الى الطاولة اللبنانية، بقرارٍ صُنِعَ في لبنان. فانفصالُ الوطنِ عن محيطِه، وعن العالَم، قرَّبَ منه وباءً خبيثاً هو العزلة، ما ردَّه الى قرونِ الإنحطاط، والتخلّف، والظّلام. إنّ لبنانَ هو الوطنُ الأكثرُ قدرةً على الإندماج، عربيّاً، ودَوليّاً، والأَوسعُ انفتاحاً على حضاراتِ الدّنيا، وهو النموذجُ الأَرسَخُ لعَيشٍ فريدٍ يُسقِطُ النماذجَ العنصريّةَ المتقَوقِعة، والأحاديّةَ العِرقِ المتطرِّفة. إنّ نظرةً الى مآثرِ لبنان، يرجّحُ الكَفّةَ لصالحِ العودةِ الى دَورِ صِلَةِ الوصلِ بين الشّرقِ والغرب، فيَأنَسُ العالَمُ بنا، ونأنسُ به.
على الرئيس أن يؤسِّسَ لديمقراطيةٍ رائدةٍ تكفلُ الحريّاتِ وحقوقَ النّاس، وقد افتداها اللبنانيّون بشلّالٍ من الرِّجالِ، ليبقى للحريّةِ، في الشَّرق، مَوطِئ. والديمقراطيّة، قيمةٌ مُضافة، فهي التي شكَّلَت التّركيبةَ المُعجِزَةَ للبنان، على مَرِّ العقود، وجمعَت بين القواسم، وحضَّرَت لنهضةٍ نوعيّة على أنقاضِ البروتوتيباتِ والنَّمَطية، فكانت فرصةً للعيشِ المُشتَرَك الأهليّ، وتمتيناً للشراكةِ في الوطنِ والمصير. والديمقراطيةُ تُحفةٌ متكاملة، فيها مُتَّسَعٌ للجميع، تُؤَصِّلُ الحسَّ بالحرية، وهي حركةٌ تحريريّةٌ من نِحَلِ الديكتاتوريّاتِ، والتسلُّطِ السَيِّءِ الطَّرز.
على الرئيس أن يصونَ سُنَّةَ العلاقةِ بين المُواطِنِ والمُواطِن، على أساسِ الإنتماءِ للبنانَ، ومَحضِهِ الولاء، على أنقاضِ المفهومِ المُلتَوي للطائفيّة، أي المَيل المُتَضَخِّم نحو الطّوائف، على حسابِ الإنتسابِ الوطنيّ، ما أفسحَ بالمَجالِ للأنانيّاتِ المذهبيّةِ المنحرِفَة، وتَضَخُّمِ الخطابِ التّكفيريّ المُعَمِّق لهُوّةِ القلق. إنّ رمادَ حِوار الحضارات، أو الأديان، ينبغي أن يُبعَثَ منه الحضورُ الإنسانيُّ الرّاقي، والقائمُ على مسلَّماتِ الدولةِ المدنيّةِ التي تشكِّلُ كُوَّةَ العُبورِ الى تَساوي الجميعِ، مَدَنِيّاً، بالحقِّ والواجِب، بعيداً عن التلطّي الطّائفي الذي أفسدَ البلادَ والعباد. إنّ الدولةَ المدنيّةَ هي الأَلصَقُ برغباتِ الترقّي، والأَرحبُ صوبَ الحضارةِ، والنُّهوضِ، والنموّ.
على الرئيس أن يُزيلَ عن جسمِ الوطنِ أثارَ التّعذيبِ، والتَشَظّي، والإبتزاز، والسلوكِ العَبَثيِّ في التّناطُحِ على النّفوذ، والشراكةِ المحاصصاتيّةِ، بمعنى أن يعبرَ من الفوضى وزمنِ تقويةِ العصابات، وآفاتِ الفساد، والتّدميرِ النَّمَطيِّ للمؤسسات، الى عصرِ الدولةِ التي تضعُ حَدّاً لاهتزازِ نُظُمِ القِيَم، ولبَيعِ مقوِّماتِ البلادِ في سوقِ النّخاسة، ولِجَعلِها سلعةً للمُراباةِ الرّخيصة. فالدولةُ، وحدَها، هي السلطةُ فوقَ كلِّ السلطات، وبإمكانِها أن تُعيدَ البلدَ من النيوفاشيّةِ الممقوتةِ الى صيغةٍ تُرسِّخُ مبادئ الحريةِ، والعدالةِ، والحقوق، فلا يعودُ الوطنُ مسكناً مُريحاً لِمَنْ لا يعترفون بسلطةِ دولتِهِ، وينحرونَها بتهشيمِ صورتِها، ويفَوِّتون فرصةَ إنجازِ مشروعِها بتَلَوُّثِهم الوطنيّ، وتَبَعيَّتِهم التي تنصرُ الإعدامَ على ثقافةِ الحياة.
على الرئيس أن يسعى، جاهِداً، لتطبيقِ القراراتِ الأُمَمِيّة، وما نَصَّت عليه بُنودُ الدّستور، في ما خصَّ حصريّةَ السلاحِ بيَدِ القوى الشّرعية، وامتلاكَ الدولةِ قرارَ الحربِ والسّلمِ انطلاقاً من امتلاكِها إعلانَ الإستراتيجيّة الدفاعيّة، من دون أن تشاركَها، بذلك، حالاتٌ هجينةٌ دخيلة تستقوي عليها بوسائلَ مشبوهةٍ، تفرضُ حيثيّةَ الأمنِ بالتّراضي، أو بالإستقواء. لقد تولّى ” الطّائفُ ” تفكيكَ الميليشيات، وحصرَ المؤسّساتِ المُعَسكَرَةَ بالدولة، ودعَتِ المقرَّراتُ الدوليّة، لا سيّما في القرارَين 1559 و 1701، الى تسليمِ الأسلحةِ غير الشرعيّةِ الى الدولة، ما يُعيدُ الأمانَ الى النّاس، والسّلامَ الى الوطن.
على الرئيس أن يلتزمَ بالدّستور، وبالقوانين المرعيّة، ليصبح للعدالةِ معنىً، وللقضاءِ حُرمَة، وللحقِّ كيان. لذلك، مطلوبٌ منه موقفٌ جَسورٌ لتأكيدِ الفصلِ بين السّلطات، وعدمِ التردّدِ في فتحِ ملفّاتِ الفساد، جميعِها، لاستردادِ ما ضُيِّعَ، ونُهِبَ، من مقدِّراتِ الدولة، وحقوقِ النّاس، وودائعِهم، وأرزاقِهم… فلا تَنازُلَ عن مسؤوليّةِ تنفيذِ القوانين، وإنزالِ العقوباتِ المُستَحقّة، كائناً مَنْ كانَ الفاسدُ، والمُخالِفُ، والسّارقُ، والمُستَولي على ما ليس له، والمُتَلَطّي خلفَ ألقابٍ سياسيةٍ أو رسميّة. من هنا، بالذات، يبدأُ الإصلاحُ الحقيقيّ، فِعلاً لا قَولاً وخُطابات، وتنقرضُ دولةُ المافيا التي بسطَت هيمنتَها على الحكومةِ والبرلمان والإداراتِ العامة، وتحكّمَت بالإقتصادِ والنّقد، وحقّقَت إثراءً فاحشاً بالإبتزازِ، والإختلاس، والصّفقاتِ غير المشروعة، على حسابِ تنميةِ البلاد، وعَرَقِ الناس.
على الرئيس أن يتذكّر أنّ لبنانَ، قبلَ انحرافِهِ الى المَحاور، وتحويلِهِ ساحةً لتصفيةِ المنازَعاتِ والحساباتِ، لم يَعِشْ نهضةً، بل حَملَ مشعلَها، وأطلَّ على ثقافاتِ النّاس، ومشى بها أشواطاً، وكان له اليَدُ الطّولى في العَدوى الحضاريّة التي أصابَت محيطَه. وهذه رسالةُ لبنانَ الى الدّنيا، حامِلاً فَلذَةَ الحضارة، لكنّ دخولَه شؤونَ الحربِ، والتَحَيُّز، والتكتّلات، أجهضَ حيادَه، ونأيَه عن النّزاعات، فانزلقَ الى دائرةِ الصّراعاتِ التي لا تَعنيهِ مباشرةً. إنّ على الرئيس أن يبادرَ الى إعلانِ حيادِ لبنان، والحيادُ ليس بدعةً أو فِكراً هجيناً، كما يروِّجُ البعضُ، إنه يحصِّنُ الوطن، إقليمياً ودوليّاً، وينعكسُ استقراراً يوفِّرُ على البلادِ مزيداً من الخسائر، ويحمي الكيان، ويُعيدُ ثقةَ المواطِنِ بوطنِهِ مجالاً رحباً آمِناً لتحقيقِ ذاتِه، ومستقبلِ أجيالِه.
هذه بعضُ التّوصياتِ التي ترسَّخَت في الوَعيِ الجَماعيّ، على مُستَوَيَي النظام، والسياسة، بعد أن شاعَ الخَلَلُ في مفهومِ الدولة، وفي علاقتِها بالشّعب، وأُفرِزَ نِفاقٌ سياسيٌّ انعدَمَ، معه، كلُّ أملٍ في أيّ تطوّرٍ، أو في نقلةٍ نوعيّةٍ الى بناءِ وطنِ الإنسان، وتَحديثِ المجتمع، وإيفاءِ حقِّ الناس بتأمينِ بلدٍ غيرِ مُرتَهَن، ودولةٍ غيرِ خاضِعة. إنّنا نريدُ رئيساً يُسدِلُ السّتارَ على دولةِ المصلحة، والقَبَليّة، والولاءِ لخارطةٍ غيرِ خارطةِ الوطن، وهذه لوثةُ الزمنِ الرّديء، ليشكِّلَ دولةَ المواطنة، والقانون، والديمقراطيّة، وبذلك، يبدأُ بإعادةِ إعمارِ وجودِ لبنان.
