“التحدي الأكبر”… مليارات الدولارات بين الاستثمار أو الصفقات

فيما يغرق لبنان في موجة مناكفات ومشاحنات عقيمة على استحقاقات دستورية يمتد أجلها لأشهر مفتوحة السقوف، ويعتبر أصحابها ممن يستميتون لحفظ ما لهم مواقع سلطوية تضمن دوام المصالح الشخصية، يغرق اللبنانيون في موجات من نوع آخر، إذ بدأ الانهيار الاقتصادي ينذر بما هو أسوأ، ولا سيما اذا ما بقيت السلطة المتحكمة مستمرة في دفع الازمات الى التفاقم، متغاضية عن أفق الحلول الكامنة في قنوات محلية وخارجية.

صحيح أن الركود الاقتصادي يقض مضاجع حكومات العالم، ويقلق مسؤولو قطاع المال في مجموعة العشرين المجتمعين في جزيرة بالي الإندونيسية، وسط استمرار ارتفاع التضخم وضعف آفاق النمو، الا ان الخشية تبدو أكبر من فشل الاجتماع في التوصل الى “توافق” بما يترك آثاراً كارثية على الدول المنخفضة الدخل مع ارتفاع اسعار الغذاء والطاقة بسبب الحرب على أوكرانيا، “التحدي الأكبر” للاقتصاد العالمي وفق توصيف وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين.

أين لبنان من تلك المخاوف الاقتصادية، وهو الغارق في وحول سياساته الداخلية وارتباطاتها الاقليمية التي تنذر بعواقب باتت كـ”التحدي الأكبر” للاقتصاد اللبناني حيال فرملة سقوطه السريع؟

قبل أيام، تحدث نائب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعادة الشامي في لقاء جامعي، طارحاً جملة وقائع كانت تستوجب وقفة او موقف من المعنيين بصناع السياسات، بعد قراءة السطور وما خلفها، وخصوصا ان الارقام كفيلة بتوصيل الرسائل عن مستوى المخاطر، الى من لا يفقه ولا يعتبر ان الاقتصاد هو أيضا “أولوية”. وعلى الرغم من ان الاعلام اللبناني يضج يومياً بتحليلات وتوقعات يميل معظمها الى التشاؤم، ثمة تساؤلات عميقة تفترض طرحها استيضاحاً لمعالم الأمد القصير من المرحلة المقبلة التي تبدو أشد قتامة.

فالأفق المحلي مسدود الى حين تقطيع الاستحقاقات الدستورية كاملة، فيما الأفق الإقليمي يتأرجح ما بين نعمة الغاز ونقمة استخراجه وتصديره على وقع طبول الحرب ما بين إسرائيل وإيران. أما العالم، فمنشغل بضبط المخاوف من الركود التضخمية ترقباً لـ”عواصف” مقبلة على طريق استمرار ارتفاع اسعار النفط والغذاء والتضخم والبطالة. وسط هذا الوقت المستقطع، هل من يأبه للتطوع من اجل إعادة لبنان للانتظام ضمن سكة المجتمع الدولي مجدداً؟ تسأل المحللة الاقتصادية فيوليت غزال البلعة، في حديث لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، وترى ان الخطوات الاولى يجب ان تبدأ من الداخل، اذ الوقائع تفيد بأن الحل يبدأ من تصويب الانحرافات في الأداء السياسي، بما ينسحب تقويماً لمؤسسات وقطاعات منهارة، وانعاشاً لاقتصاد باتت نسبة انكماشه توازي 60 في المئة، واستعادة لثقة بليرته استنزفت الازمة 90 في المئة من قيمتها.

حتى اليوم، ما من برنامج حكومي شامل لحل الازمة. فخطة التعافي التي قدمتها حكومة نجيب ميقاتي، تعالج النتائج لا المسببات، حتى الملحق الشفهي الذي قدمه ميقاتي الى البرلمان لا يكفي لتوفير رؤية شمولية قادرة على اقناع المجتمع الدولي بالمساعدة في الانقاذ. الى كل ذلك، تقول البلعة ان الخطة تحتاج الى غطاء سياسي يكفل للمجتمع الدولي القيام بلائحة الاصلاحات الاقتصادية والمالية التي توسعت خلال العامين الماضيين، لتشمل بالإضافة إلى قطاع الكهرباء وتقليص حجم القطاع العام وانتظام اصدار الموازنات المالية، بنود جديدة مثل توحيد اسعار الصرف، وهيكلة القطاع المصرفي، وتعديل قانون السرية المصرفية واصدار قانون الـ”كابيتال كونترول”.

الى ذلك، ترى البلعة ضرورة في ان تستمر حكومة تصريف الاعمال في العمل كخلية ازمة، اولاً بغية وقف “نزف” احتياطي مصرف لبنان الذي استنزفته سياسات الدعم التي اقرتها حكومة حسان دياب بعشوائية مريبة، ربما لتغطية خطيئة إفلاس لبنان عبر قرار التخلف عن الدفع في آذار 2020. والامر يبدو اكثر من طارئ بعدما شارفت كلفة دعم لم يستفد منها اللبنانيون الا بـ”النوادر”، نحو 20 مليار دولار خلال عامين من أموال المودعين.

وفي ما يتعلق بالصندوق المقترح منذ اكثر من جهة لاستثمار أصول الدولة المقدرة بنحو 20 مليار دولار، تقول البلعة ان المطلوب هو اتخاذ خيار حاسم بعد التشاور مع المعنيين وبينهم المصارف، بغية تأسيس صندوق، سيادي او استثماري لا يهم، من اجل حسن استثمار موارد يمكن ان تحقق ايرادات بنحو خمسة مليارات دولار على مدى السنوات الست المقبلة، وفق ما اعلن نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي قبل ايام. علماً ان تلك المليارات، تضيف البلعة، قابلة بعد اضافتها الى المليارات الثلاث المتوقعة من صندوق النقد، لان تتضاعف ان استثمرت خارج نهج “الصفقات” نتيجة المفاعيل التي قد تحدثها في الاقتصاد الحكومي والخاص، بما يحفز الاستثمار المحلي والخارجي على معاودة نشاطه مجدداً.

اما التدقيق الجنائي، وهو الانجاز الذي يستميت العهد والتيار الوطني الحر بتتويج نهاية عهد غير مسبوق في تاريخ لبنان، فتعتبر البلعة انه يفترض ان يكون اجراء عادياً على اهميته، وليس كيدياً لغايات يراد منها النيل من حاكم مصرف لبنان وتحميله مسؤولية كل الانهيار على قاعدة ضرب عصافير كثيرة بحجر واحد، مشددة على ضرورة ان يشمل كل الوزارات، وفي مقدمها وزارة المال المسؤولة عن عمليات الموازنات التي غابت لأحد عشر عاماً، من دون شفافية في حركة الانفاق والايرادات. وتليها وزارة الطاقة التي استنزفت الخزينة، من اموال مصرف لبنان وتالياً من اموال المودعين، نحو 47 مليار دولار على مدى عقدين، لتقدم للبنانيين انجازاً غريباً مع “كهرباء صفر”.

وتقول البلعة ان التبشير بعدم تأليف حكومة جديدة واقبال لبنان على فراغ رئاسي بعد شهرين، ليس الا انجازاً سلبياً يضيفه لبنان الرسمي في سجله العالمي، بما يؤكد لصندوق النقد كما للدول المانحة ان فشل لبنان كدولة هو من صنع حكامه لا شعبه.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل