
رصد فريق موقع “القوات”
يبدو أن الأصوات في الخارج أقوى من الداخل، فصرخة “قمة جدة للأمن والتنمية” هزت عروش حكام لبنان وأسمعتهم ما لا يريدون سماعه، ”لا للسلاح ولا للدولتين”، لكن “تمسحة” الضمائر اعتبرت أنها “عم تشتي”. وبعد “الصفعات” الدولية لإنعاش ما تبقى من “عهد الموت”، أصبح هناك توافق أن قبل تشرين الأول “لا تأليف ولا من يؤلفون” وبعد تشرين “منحكي جد”.
في هذا السياق، أبلغت مصادر دبلوماسية مطلعة “النهار” ان منسوب الاهتمام الخارجي بالملف اللبناني بدأ بالارتفاع الملحوظ من خلال التركيز على الاستحقاق الرئاسي المقبل، وضرورة التزام الكتل النيابية والقوى السياسية انتخاب رئيس جديد للجمهورية في الموعد الدستوري اسوة بما حصل في الاستحقاق النيابي. وقالت ان المرحلة المقبلة ستشهد تصاعداً متدرجاً وواسعاً في الضغوط الدولية على لبنان من اجل منع أي تفلت سياسي من شأنه ان يعقد انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة الدستورية، باعتبار ان معظم الدول المعنية بمراقبة الوضع في لبنان والتي هي ضمن المجموعة الدولية لدعم لبنان تعتبر ان مفتاح بداية اخراج لبنان من متاهة الانهيار الذي يعاني منه يجب ان يكون في انتخاب رئيس جديد يكون رمزاً ودفعاً للعملية الإصلاحية التغييرية في لبنان.
ويبدو واضحاً ان التطرق الى الوضع في لبنان في البيانين اللذين صدرا السبت الماضي في جدة عن “قمة جدة للأمن والتنمية” التي ضمت زعماء الولايات المتحدة والدول الخليجية ومصر والعراق والأردن، كما عن اللقاء الأميركي السعودي، كان في صلب هذه الضغوط والاتجاهات الدولية البارزة حيال لبنان عشية استحقاقه الرئاسي. اذ ان البيانين افردا حيزا للموقف من لبنان الامر الذي يعكس تقدم واقعه في مستويات أولويات هذه الدول. وفي وقت يتخبط فيه لبنان بعجز فاضح عن اكمال الاستحقاق الحكومي، وتسود مخاوف واسعة من تخبطه في الاستحقاق الرئاسي المقبل، ناهيك عن انزلاقه المتواصل نحو متاهات جديدة من الانهيار اكتسب ايراد الفقرة الخاصة بلبنان في البيان الختامي الصادر عن قمة جدة ابعادا من شأنها فتح الباب امام تطورات إيجابية لمصلحة لبنان في هذه الظروف البالغة الخطورة التي تحاصره.
ووصفت مصادر دبلوماسية البيان الصادر عن التيار الوطني الحر بتأييد ظاهري لبيان قمة جدة بخصوص لبنان، بانه محاولة فاقعة لإعادة تبييض صفحة رئيس التيار النائب جبران باسيل وتعويم نفسه، لدى العرب المشاركين بالقمة والولايات المتحدة، وفك طوق العزلة الذي تسبب به رئيس الجمهورية ميشال عون وباسيل شخصيا للبنان، بالانحياز الكامل بممارساتهما الى جانب السياسية الإيرانية في المنطقة على حساب لبنان ومصالحه، وقد كرس باسيل خلال توليه وزارة الخارجية هذا الواقع.
وعلى الصعيد الدولي، قالت مصادر مطلعة لـ”الجمهورية”، إنّ “في موازاة الاتفاقات التي وقعّت بين الولايات المتحدة والسعودية، فإنّ الصورة شكّلت في حدّ ذاتها الحدث، ليس فقط من زاوية طي صفحة التباينات مع الإدارة الأميركية الحالية، إنما أيضاً من خلال الدول المشاركة في القمة، والتي تُظهر مكانة السعودية ودور ولي عهدها الصاعد الأمير محمد بن سلمان، الذي رتّب البيت الخليجي والبيت العربي، ويواصل سعيه نحو وحدة صفّ خليجية وعربية حول المواقف الأساسية المتعلقة بمستقبل المنطقة وأمنها واستقرارها وازدهارها».
وتردّد انّ مسؤولاً سعودياً عن المساعدات سيصل إلى لبنان في الأيام المقبلة، من اجل تزخيم خطط التعاون التي يجري تنظيمها وتنسيقها مع إطلاق الصندوق المشترك الفرنسي – السعودي لمساعدة الشعب اللبناني على المستويات التربوية والطبية والغذائية والإنسانية وفي قطاع الطاقة، بعيداً من أي مؤسسة او هيئة حكومية، عبر الجمعيات والمنظمات الخيرية والمؤسسات غير الحكومية في قطاعات عدة.
أما حكومياً، قالت مصادر وزارية تواكب نشاط السرايا الحكومية لـ”الجمهورية”، إنّ “الاجتماع خُصّص للبحث في مجموعة من الأفكار المطروحة للخروج من المأزق، وإقناع موظفي القطاع العام بالعودة إلى العمل بعد توفير الحدّ الأدنى من المطالب، نظراً إلى عجزها عن توفير المطالب العالية السقف التي رفعها الموظفون، ليس لسبب سوى العجز في توفير الكلفة العالية للمطالب المطروحة إن لرفع الرواتب والتعويضات الملازمة لها في ظلّ تراجع الحركة الاقتصادية في البلاد وانخفاض مردود الرسوم التي رُفعت في مجال الخدمات كما في الاتصالات وبعض الخدمات المتوافرة بحدّها الأدنى، وهو ما ترجمه التريث في مقاربة الارقام الخاصة بمشروع قانون الموازنة العامة”.
ويبدو أن موضوع تشكيل حكومة جديدة لم يعد من الأولويات وكأن المسألة طويت بانتظار تقطيع الوقت مما تبقى من ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون، وبانتظار بت مسألة انتخاب خلف له يمكنه أن ينقذ لبنان من الهاوية التي دخل فيها وتنطبق عليه مواصفات أطلقها البطريرك بشارة الراعي ولا يزال يكررها، منذ دعا رئيس الجمهورية ميشال عون إلى استعادة قرار الشرعية وتحريرها من قبضة حزب الله في قداس مار شربل في بقاعكفرا العام الماضي، وكررها في أكثر من مناسبة هذا العام، رئيس لا تنطبق عليه المواصفات التي يريدها حزب الله. لأن الحزب الذي تمكن من التحكم بفرض رئيس مجلس النواب وتشكيل الحكومات السابقة لن يمكنه أن يفرض انتخاب رئيس الجمهورية الذي يريده، لأن هذا القرار لا يمكن أن يخرج من دائرة بكركي والقوى المسيحية الفاعلة التي حققت الأكثرية في الانتخابات النيابية الأخيرة، ومن دائرة القرار الدولي والعربي الذي لا يمكن أن يقبل برئيس من خط الممانعة.
ولم تسجل المصادر السياسية المتابعة لملف تشكيل الحكومة الجديدة، أي تواصل بين رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي خلال الأيام الماضية، لإعادة تحريك عملية التشكيل التي توقفت عند رفض رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، آلية حصر التشاور بين الرئيسين عون وميقاتي حصرا، استنادا للدستور، وتجاهل دوره الضمني في تسيير أمور الرئاسة الأولى وتقرير ما يجب القيام به، خلافاً للدستور، ما يعني ان مسار التشكيل لن يسلك طريقه المعتاد، بل سيدخل حتماً في دوامة متواصلة من العرقلة والتعطيل الممنهج، التي اعتاد عليها باسيل منذ تولي عون للرئاسة، كما اصبح معلوماً للجميع.