.jpg)
لم يخطئ الكاتب المخضرم جورج بكاسيني عندما أشبع مقاله “تقسيم بيروت: تفاهم معراب العميق” بمزيج من حواضر الواقع ووقائع التاريخ، حيث بدأه بالحديث عن التحوّلات التي تعصف بالإقليم والعالم وختمه بالنثر عن ميزة لبنان وتنوّعه من دون أن يغفل في المرور للتّرغلة عن جدار برلين الذي يبدو أنّه سقط سقوط الكبار لكنّ ما حمله من نزعة عار وتفريق قد أسر الكاتب المصون بحبر من ذهنيّة مشبّعة بدهون اللامهنيّة.
للإنصاف أولاً، لا بُدّ من تسطير التالي، أنّ مهنيّة بكاسيني الملتوية لم تأتِ من عدم مطلق أو من حقد دفين أو من سوء ادراك ولا حتّى من قراءة غير مطّلعة على المعطيات، بل هي مجرد نِتاج طبيعي للشخصية التي تهوى استرضاء الآخر، والتي قد تتأزّم بها الحال لتُصاب باضطراب نفسيّ يؤثّر على راحتها وسلامتها، من هنا ندعو الكاتب الفذّ إلى الانتفاضة على ما أسقط نفسه به والتقدّم نحو التحرّر من ثقافة استجرار الرضى عبر المجاهرة بالـ”لا” والتجرؤ على قول الامور كما هي ولو أتت على حساب مصلحة ضيّقة مُبتغاة أو أطماع مُشتهاة على مرّ السنوات.
“القوّات اللبنانيّة” يا سيّد جورج، أثبتت منذ انتفاضة الاستقلال أنّ “وحدة اللبنانيين” تحت راية وطنهم هي بديهيّة مقدّسة في معتقدها السياسي، واسترسلت مراراً وتكراراً بالتنازل عن حقوقها الطبيعية لأجل متانة الجماعة وديمومتها؛ “القوات” تعاملت مع كلّ الاستحقاقات المصيرية والعادية على السّواء من منطلق الجمع لا التّفرقة، وهي لطالما تقدّمت الصّفوف في عزّ المواجهات، وما رصاصات الغدر في 4 نيسان 2012 سوى محاولة لاغتيال الارادة اللبنانية المؤمنة بوحدة الدولة وسيادتها وكرامة مسلميها ومسيحييها والتي جسّدها رئيس “القوات” سمير جعجع من دون تراجع أو تردّد.
وقبل أن تستعيد “القوات” حقّها في تمثيل ناسها في كلّ المناطق اللبنانية انطلاقاً من حرصها على صحّة التّمثيل لكلّ المجموعات اللبنانية التي استُهدفت منذ الاحتلال السوري للبنان، كنت يا محترم ومَن يُشبهك تفعلون المستحيل لاقتناص مقعد من هنا أو منصب من هناك من دون أدنى مراعاة لارادة الناس التي تتباكى عليها بأسطرٍ من زيف.
وبعد، يبدو أنّ أكثر أورام “وباء الاسترضاء” هو التّناسي العمد، فأن تتبجّح يا كاتب بلاط النكران عن مسعى معراب لتقسيم العاصمة وتجزئتها وتقطيع أوصالها وضرب أوردتها ومعاداة أهلها، فلا شكّ أنّ إصابتك بالغة جدّ البلوغ؛ فكيف لمن خرق جدار العدوان الذي رفعته ميليشيا الدويلة حول السراي الحكومي أيّ مقرّ الرئاسة الثانية أن يُتّهم بالتّقسيم؟ كيف لِمَن وقف مع أهل السّنة عندما اتّهموا بالداعشيّة من طرابلس وعكار إلى صيدا وعرسال أن يُرشق بتُهم التّفرقة؟ كيف لِمَن جاهر بدفاعه عن وجوب مأسسة العدالة في جريمة اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري أن يُرمى بعبارات الطائفية؟ كيف لِمَن جاهر باختياره “ابن صيدا، السنيورة السنّي” على حساب “ابن جبل لبنان، لحود الماروني” في عزّ شيطنة صيدا وأهلها والحريرية ورجالاتها أن يُقذف بالمذمّة؟
معراب فتحت أبوابها وقلبها لأهل السنّة الذين شيطنتهم بنفسك يا بكاسيني يوم رفضوا الانسحاب وترك الساحة مستباحة لحزب الله والمحور السوري الايراني.
“شمّاعة اتّفاق معراب” التي لا تفقه سوى حرفها عن حقيقتها تحمل صحّتها في مضمونها المخطوط بحبر الدستور واتفاق الطائف، بحبر سيادة الدولة ووحدة مؤسساتها وحقوق جميع المكوّنات اللبنانيّة، أمّا ورقة توزيع المراكز داخل الحكم فقد ارتكزت على مبادىء وشروط مفنّدة من النزاهة وصولاً للكفاءة والمعايير القانونية، وعدم ترجمة الورقة على أرض الواقع هو لانتفاء هذه الشروط وهو بحدّ ذاته صك براءة لمعراب، بينما استرسلت بنفسك حينها للدّفاع في كتاباتك عن التسوية والصفقات التي أُبرمت على المقلب الآخر من دون أدنى مراعاة للدستور والقانون والنزاهة والكفاءة والعدالة والتي كبّدت الدولة مليارات الهدر والعجز والانحلال.
أن تتعرّض العاصمة بيروت لأكبر جريمة في تاريخ لبنان، ويخرج جزء من سكّانها للقول إنّهم ذُبحوا ثلاث مرّات، مرّة بالتّفجير ومرّة بخنق العدالة ومرّة باهمال الادارة العامّة لمعاناتهم لهو قمّة الاعدام الوطني؛ لو كنت ضنيناً على “ست الدنيا” يا حضرة الكاتب بكاسيني، كان عليك أن تقف مع آلام ناسها لا أن تتنطّح لتقديم أوراق اعتماد هنا وهناك، كان عليك أن تكتب عن أولئك المشرّدين المتروكين الذين أُهملوا من مجلس “بلديتهم” على الرغم من أطنان المتفجرات التي صعقتهم، بيد أنّ حريقاً صغيراً في زاوية أخرى من العاصمة استدعى تدخّل المجلس برئيسه وما بعد رئيسه! أين كانت وحدة العاصمة هنا؟ وهل من وحدةٍ ورصّ صفوفٍ من دون عدالة؟
المطالبة بإعادة التّقسيم الاداري للعاصمة وفق معايير متوازية، كي تكون المجالس المحلية قادرة على تنفيذ المهام المنوطة بها بشكل سليم من دون اختلال، لا يمسّ بوحدة بيروت ولا بتآلف ناسها وعائلاتها. وهل مثلاً مُسّت العاصمة يوم حملت القوانين الانتخابية النيابية تقسيماً ثلاثياً ومن بعده ثنائياً لدوائرها؟ وهل ما هو مُحلّلاً في انتخابات المجالس البرلمانية يُصبح مُحرّماً و”فزّاعة” على دور المجالس البلدية والاختيارية؟
وهل رأيت يا سيّد بكاسيني أنّ اتحاد بلديات الفيحاء الذي يضمّ أربع بلديات أيّ طرابلس، الميناء، القلمون والبداوي قد زعزع من وحدة عاصمة الشمال؟ ألم تسأل أهل طرابلس يوم ترشّحت لتمثيلهم عن المقعد الماروني عام 2018 عن الاهمال الذي يعيشونه بسبب تلكؤ بلديتهم عن متابعة شؤونهم وشجونهم؟ ألم يُخبروك بأنّ المجالس البلدية المتعاقبة تتحجّج بعدم قدرتها على تغطية كافّة متطلّبات المدينة بسبب وسع مساحتها وضخامة عديدها السكّاني؟ ألم تعلم أنّ المقعد الذي أعلنت جِهاراً رغبتك بتمثيله يتبع تقسيمياً لكلّ بلديات الفيحاء من القلمون إلى الميناء؟ هل شعرت يومها بأنّك تترشّح في بقعة جغرافية ينخرها التّقسيم؟ ربّما جهلك الواضح بطبيعة العمل المحلي وما يتطلّبه من متابعة حثيثة وقريبة لم يُخوّلك أن تحظى بالتمثيل النيابي فكان أن بادلك أهل طرابلس عبر بلدياتها المتعدّدة بإسقاطك بشكل مدوّ في الصناديق على الرغم من وجودك على لائحة مدّتك بما تيسّر من أصوات.
إعادة التّقسيم الاداري بعدّة بلديات داخل العاصمة بيروت لا يرتبط بالتوزيع الطائفي بل بالمدّ الجغرافي، فكلّما ذهبت الدولة إلى اللامركزية كلّما ضاق الخناق على الفساد والمحسوبيات واللاعدالة، إلا إذا كانت اللامركزية في الطائف ورقة صورية تُرفع على المنابر وتُدفَن على أرض التّطبيق.
بالفعل هو زمن رديء، أن يتلطّى مَن احترف ابتداع الاكاذيب خلف رسالة البابا يوحنا بولس الثاني، متجاهلاً أنّ البابا القديس هو رجل عدالة، وأنّه من دون عدالة لا حياة وأنّ الحياة حقّ للشعوب لا منّة من أحد. نعم مِن حقّ كلّ أهالي بيروت أن يأخذوا حقوقهم بالتّساوي، أن يُبادل ثباتهم في أرضها على الرغم من تدمير منازلهم بالحدّ الأدنى من الاهتمام، أو أنّ انتماءهم السياسي أو الطائفي أو ربّما عديدهم على قدره الحالي لا يستهوي رُعاة المجالس المشبوهة ورسّامي حصصها؟
أسقط يا بكاسيني جدار التضليل عن ذهنيتك المغتربة، فأنت تعلم أنّ خروجك من الحياة السياسية كان نتيجة حتمية لانقلابك على الناس التي عاشت آلاماً مبرّحة ورُميت بالنكران. أسقط الجدار لأنّ ما مِن تقسيميّ بقدر ذاك الذي يبني مساره ما بين الاسترضاء والذمّيّة.
