رهبانية مجمع صيف 2022 على خطى سفر برلك

كتب ميشال يونس في “المسيرة” – العدد 1730

رهبانية مجمع صيف 2022 على خطى سفر برلك

متى “الراهب القبضاي”؟

ثلاثةُ مجامعَ إنتخابيَّةٍ مفصليَّةٍ تنتظرُها وتترقَّبُها الأُمَّةُ المارونيَّةُ وسائر الطائفةِ اللبنانيَّةِ «إنتظارَ الرُّقباءِ للصبحِ والسّاهرين للفجرِ»، مَجمع إنتخاب البطريركِ المارونيِّ، إجتماع برلمان انتخاب رئيس الجمهوريَّةِ، ومجمع إنتخابِ رئاسة الرهبانية اللبنانية المارونية!

ثالوثٌ إنتخابيٌّ فيه مِنَ البُطرسيَّةِ الأنطاكيَّةِ ما فيه، وفيه مِنِ الكَيانيَّةِ اللبنانيَّةِ المرصوفةِ بأسفارِ الكتابِ المُقدَّسِ ما فيه، وفيه مِن آية دعوةِ «أترك كلَّ شئٍ واتبعني» ما فيه، وفيه كُلٌّ يرتكزُ ويستندُ على مُهمَّةِ البطريرك الماروني والرئيس اللبنانيِّ والراهب اللبنانيِّ المارونيّ عندَ كلِّ علامةٍ مِن علاماتِ أزمنةِ أزماتِ الوجودِ والبقاءِ والمصير!

وَسْطَ هذا الصَّيفِ النذوريِّ سيلتئمُ المجمعُ الرهبانيُّ اللبنانيُّ المارونيُّ العام لاستلهام وانتخابِ أسماءِ جماعةِ خِدمةٍ رهبانيَّةٍ ديريَّةٍ جديدةٍ مُنبثقةٍ مِن توصيَّةِ «فليكُن كبيركُم خادمًا لكم»، تبدأُ بالرئاسة العامة أو الأبوَّةِ العامةِ، ثُمَّ بأربعةِ مُدبِّرين بصفةِ أربعةِ ضمائر للحكمةِ والمشورة الصّالحةِ، ثمَّ باقي إدارةِ الخِدمةِ الرهبانيَّةِ الأخويَّةِ. مجمعٌ إنتخابيٌّ يسعى لامتلاكِ راياتِ الظَّفرِ الأنطونيوسيِّ برعايةٍ تامةٍ وحضورٍ كامل للروحِ القُدُسِ، وليس أحدٌ سواه حتَّى لو كان زائرًا رسوليًا يُناقِضُ عُصيان الموارنة الدائم على كُلِّ انتدابٍ حتَّى لو كان إنتدابًا بابويًا. مَجمعٌ مُتمايزٌ عمّا سبقَ مِن مجامع يُختَمُ بأبيضِ دخّانٍ جوريٍّ يتصاعدُ تصاعُدَ البشائرِ مِن مِدخنةٍ قُدسيَّةٍ بحجمِ قُطرِ دائرة قاديشا!

داخلَ قاعةِ الآباء والأخوة المُجتمعين فإنَّ مندوبي الأديار وسائر المُعطَى لهم حقُّ الإقتراعِ حَقًا وحقًا لن يكونوا وحدهم المُقتَرعين، بالأحرى لا يجوزُ هذه الجَّمعةِ أن يُترَكوا لوحدهم بعدَ مريرِ تنازُعٍ وتجادُلٍ وتخاصُمٍ بالتمييزِ بين وجه الله ووجه قيصر!

ألأنبا أنطونيوس أبو الرهبان حاضرٌ بينهم وجهًا لوجهٍ ووجدانًا لوجدانٍ يسألهم أولاً عن كم بقي له منِ ميراثِ الأُبوَّةِ والبنوَّةِ، ويسألهم ثانيةً كم مِن أبنِ شاطرٍ قَد صارَ بينهم!

ها هم الآباءُ المؤسِّسون عبدالله قرعلي وجبرائل حوَّا ويوسف البتن يتوافدون على مجمع القرنِ الثاني والعشرين مِن مجامع القَرنِ السّابع عشر، يواصلون النِّقاشَ المَجمعيّ بإشكاليّةِ الخيارِ بين سيرة الزُّهدِ المُطلقِ والإعتزال التّامِ عن العالم، وبينِ مسيرةِ طُرُقِ التبشير، سيرةٌ زهديَّةٌ نسكيَّةٌ لم يتبقَّ منها إلاَّ ثلاثةُ حُبساء يرفعون سِراجَهم فوق مكيال محابس وادي قزحيّا، ومسيرةٌ تبشيريَّةٌ مُترَجرجةٌ جَنَحَ بعضُها نحو الطريق الواسعة المؤديَّةِ إلى الهلاكِ، واعتلى بعضُها الطيرانَ عِبرِ الخطوط الجويَّةِ، فأصابَها ما أصاب التلاميذ المتخبِّطين داخل سفينةٍ محاصرةٍ بعتوِّ الموج كادت أن تغرقَ بهم لولا استيقاظ المعلّم الرب!

ها هوَّ بطل إستقلال الرهبانيّةِ الأب العام ميخائيل اسكندر الإهدنّي يُطِلُّ على الجماعةِ المُجتمِعةِ يسألُها عن مَدى متانةِ التَّحصينات الرهبانيَّةِ التي أمضى لأجلها غُربَةَ خمسةِ أعوامٍ مصيريَّةٍ عاشها بالجهاد الطوباوي والصَّبرِ الأيوبيِّ، مُتنقِّلاً بين دوائر الكرسي الرسوليّ ليعصُم رهبانيَّتِهم ويحميها ويردَّ عنها هجمات أساقفة البرفير والأرجوان والتاج والصّولجان الذين لطالما سعوا وتآمروا لتقويض وهدم وإعدام الرهبانيَّةِ النّاشئةِ تَلقُطًا بامتيازاتٍ دنويَّةٍ دنيئةٍ، وتشبُّثًا بسُلطةٍ قَد أُعطيَت لهم من أسفل ولم تُعطَ لهم من فوق!

الأب العام سابا الكريدي العاقوري يسأل الآباء والأخوة عَن مدى إصابتهم بجائحةِ الشِّقاق والشُّتات التي تفشَّت في الرهبانيَّة وأنهكت جسدها وروحها منذُ ما قبلِ «مجمع الشَّواديح» وما بعده مِن تجارب الوشايات والتواشي بين الأخوة ورفع التقارير المخابراتيَّةِ والعرائض الإخباريَّةِ بحقِّ بعضهم البعض التي ألهَمَت نتائجها الوخيمةُ المُفجعةُ قديسَ كفيفان ملفانَ القدِّيسين المعلم الحرديني على إطلاق ندائه السَّماوي الشهير :»الشّاطر لبيخلِّص نفسو»!

أفرامًا مِن كِنّارة روح أقداس لبنان وفارسًا من فرسان الصلبانِ الرهبانيةِ. يتقدّم أفرام الرهبان المُقاومين وفخر رهبان المقاومة اللبنانيّة الأب العام أفرام جعجع البشراوي الذي عاش كامل جلجلةِ آية «مِن بيت أبي ضُرِبتُ» الأب العام المُحاصَر داخل مُعتَقَلِ السفارةِ البابويَّةِ، المطرود والمنفيِّ طيلة خمسة عشرة سنة إلى جزيرة قبرص إستجابَةً مُخزيَّةٍ لبعضِ أركان كنيستِه ورهبانيَّته لرغائب مُمثِّلَي سلطات إسطنبول داود باشا ورستم باشا، وجُرمُه الذي لا يُغتَفَر مساندتُه الرهبانيَّةُ الأبويَّةُ المُطلَقَةُ لقائد المقاومة اللبنانية يوسف كرم في معاركه ضدَّ الإحتلال العثماني لجبل لبنان، لتبقى زنانير رهبان دير قزحيا التّي جَلدوا بها رستم باشا، وعصا الراهب جبرائيل موسى السبعلي التي فَجًّ بها نافوخ ممثِّل سلاطين بني عثمان مِن أولى أنوار شرارة ثورة الأرز!

سنة 2022 الشبيهة بعام 1914 ومجاعةِ سَفَر برلك يفوحُ مجمع صيف 2022 كأريج خبزِ الحياة وقوت الأرواح إطلالةُ قديس خبز جياع الحرب العالمية الأولى الأب العام أغناطيوس داغر التنوري، يوافي أبناءه الرهبان المُجتمِعين ماشيًا على الهواء الشمسيّ كآيةِ مَشيَةِ مُعلِّمه على أديم المياه، رافعًا أمام ضمائرهم وبصيرتهم وثيقةَ رهنيّة أملاك الرهبانيّة التي أنقذت نِصفَ شعبِه من أحكام الإعدام جوعًا، يُعاونِه ويعضدُه أمين سرِّه المعروف «بالراهب القبضاي» الأب العام لاحقًا مرتينوس طربية التنّوري قائد قوافل تهريب القمح إلى مَن بقي حيًا، الذي أنقذَت العنايةُ الإلهيّةُ رأسه وعُنقَه مرارًا من مشنقة جمال باشا السفّاح.

وبعد التنوري الأول والتنوري الثاني، تراءى المقدام التنوري الثالث الأب العام يوسف طربية الأب الروحي الرهبانيّ القانونيِّ التنفيذّي لقانون الحَدِّ مِن تملُّكِ الأجانب لأراضي الفردوس اللبنانيّ المعروف «شيناويًا» بوقف الله على الأرض، الأب العام يوسف الذي فرضَ بعنفوانِه التنّوري ومهابتِه الرهبانية على رئيس وزراء الحكومة اللبنايّة آنذاك الحاج حسين العويني توقيع القانون الحصين الذي يؤكِّدُ بأنَّ حدود الرهبانيَّةِ اللبنانية المارونيةِ هي من حدود لبنان، وحدود لبنان السيادة والحرية هيَّ ذاتُها حدود رهبانية الوطن اللبناني الأبدي!

يا رهبانَنا

أمَّا دير وجامعة الروح القدس الكسليك منارة جنَّاشر الرهبانيّةِ وعاصمة جبهة الحريّة والإنسان زمن بوسطة عين الرمانة، وقواربِ أمان وسلام النَّاجين من ذبيحة الدامور والناعمة والسعديات، وردعِ بواخر التَّهجير الكيسنجريِّ، هذه الجبهةُ الكسليكيَّةُ المعقودةُ القيادة والإلهام للأب العام شربل قسّيس والأب العام بولس نعمان مُجابِهَي الأبالسةِ البلديين والإقليميين والأُمَميين، إنِّ أقصى المطلوبِ مِن أركان هذا الصَّرحِ الكسليكيِّ الراهن ألّا يوجِّهوا دعوةً لهيرودس للجلوس والإرتكان في مُقَدِّمةِ حضور ذبيحة قدّاس عيد قطع رأس يوحنا المعمدان، وأن لا يُكلِّفوا «إبن الصبحا» بإلقاء محاضرةٍ عن سَفكِ دمِّ دانيال الحدشيتي وجبرائيل حجولا!

 

آباؤنا وأخوتنا

إنَّه أخوكُم ومُلهِمُكم الأكوينيُّ الخليفيُّ العمشيتيُّ النابغة الأب لويس خليفة العمشيتي مُطلِق الثورة البيبلية الرهبانيّةُ التي خضَّت وهزهزت وصدَّعَت عديدًا من «ثوابت ومُسلَّمات» إعتبرها من «الأحمال الثقيلة» التي يُحمِّلُها أولياء أمرها للناس وهم لا يمُسّونَها بإحدى أصابعهم..

«عمّو لويس» الحائزُ على عَقلِ مئةِ نبيٍّ وقَلبَ ألفِ طفلٍ وبسمة جميع الملائكة، يُناشِدُ ويستحلفُ كلَّ غالٍ على ضميره وقلبه منكم إن لم يستطع أن يرتقي بنذور الطاعة والعفّة والفقرِ ارتقاءَ إبراهيم بابنهِ إسحاق إلى جبل التقدمة، وارتقاء الآب بالإبن الوحيد إلى جبل الصَّلبِ، وصونًا لكم من ويلات الذين تأتي على يدهم الشكوك والعثرات، يرجوكم الإقتداء «بأبي غانمٍ» اختبرَ عن قناعةٍ مُستنيرةِ عيشة القديس يوحنا الكوخي خارج ديار بيت أبيه الوالدي، فألبس رسالته الجديدة ذات أسكيمه الرهباني الملائكيِّ وغادر مذبح كهنة رفع قرابين القداديس من دون أن تُغادره رتبةُ ملكيصادق. وتمثَّلوا «بِحَربينِ أخوين» ربحا كمال الحربِ على الإنفصام الرهبانيّ، فأبدعا بإلقاء شبكة بطرس الممتلئة صيدًا مِن خارج مياه الصّيد الرهبانيّ، ونجحا كل النجاح بإيصال رسائل بولس إلى الأمم من دون أن تَمُسَّهما عقدة شاول الطرسوسي!

 

أهلَ رهبانيَّتِنا اللبنانية المارونيّة يا أهلنا

أنتُم أهل ميراث دماء الراهب اسكندر الترتجاني أول الشهداء الرهبان، حامي حِمى دير مار مارون عنايا يوم منازلة الوحش 23 أيلول 1842. أنتم أهل ميراث دماء شهداء دير سيدة مشموشة ودير مار الياس الكحلونية ودير مار جرجس عشاش ودير مار جرجس دير جنّين، وأنتم الذين وضعتم جميع أدياركم وأديارنا المنسوفة والمُهدَّمة بكامل تصرُّفِ قديس مصالحة جبل أهل الكيان اللبناني أبينا الدائم مار نصرالله بطرس صفير الكبير حِفاظًا على كيان لبنانيٍّ عظيم أسسه الأمير فخر الدين المعني ومهندس قلاعِه ورسوله إلى قارة أوروبا البطريرك الماروني جرجس عميرة الأهدني!

 

وآخرًا لا أخيرًا

آباؤكم وآباؤنا ذوو الأساكيم الملائكية والعباءات السّود المصبوغة بألوان تطويبات الحزانى بالروح والزنانير الجلدية المعقودة بالصَّليبين والمشالح المُحصِّنة الهامات والقامات الرهبانية، وخوذةُ الخلاص تعلو رؤوس الناذرين، هؤلاء الأبرار مَن شيَّدوا وأقاموا وجودنا الأثبت والأقسى والأصعبَ داخل مملكة الوعر المقدّس حمايةً، لنا من شريعة شرائع الذميّةِ الذليلةِ والأشملَةِ الذَّميمةِ :»مَن يأكل مِن خبز السلطان عليه أن يضرب بسيفه». ولأنَّ وباء البور واليباس باتَ على مشارف هذا الفردوس الرهباني اللبنانيّ الموروث كوديعة الإيمان منذ مئات الدهور، إنَّ شعبكم شعب الراهب المعلّم شعب «المجد لله يا معلمي»، وشعب مدارس مهنية مماشي دير قزحيا، يتوجَّهُ إليكم بمثلِ ربِّ الحصاد الداعي الحصّادين إلى سنابله وبيادره :هل الأب الدكتور والأب البروفسور هما مَن أنهيا خدمة راهب الحقلةِ المعروف بالأخ العَملي، وهل هي الشهادات العلمية العُليا الآتية من الخارج الأوروبي والأميركي هي التي وضَّبت سِكَكِ ومحاريثِ الرهبان الفلاّحين داخل أقبية الأديار لتوقِعَ الزّارعَ الذي خرجَ ليزرع بحزنٍ رهبانيٍّ عظيم؟؟!!

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل