
لم تأتِ استعارةُ رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي «العصفورية» إلا كإسقاطٍ واقعي على عقم المحاولات المستمرة منذ نحو عامين ونصف العام لوقف انحدار لبنان في قلب القعر المفتوح، مَدْفوعاً بانهياره الشامل، المالي – المصرفي – النقدي – الاقتصادي – الاجتماعي، والذي سرّع في وتيرته اقتيادُ البلاد إلى فوهةِ صراعات المنطقة وتكريس تموْضعه في المحور الإيراني، وهي الاعتبارات نفسها التي تبطىء عمليةَ النهوض من الحفرة العميقة التي تبقى استعادةُ لبنان توازنه السياسي – السيادي «الطريق المختصر» والأقل تكلفة للخروج منها.
وتشكل آخِر هذه المحاولات مساعي تأليف حكومة ما بعد انتخابات أيار الماضي النيابية، والتي جَعَلها تَداخُلها الزمني مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية (تبدأ مهلتها الدستورية في 31 آب المقبل) «حلبةً» إما لحرق «أحصنة» وإما تعزيز حظوظ أخرى في سباقٍ إلى قصر بعبدا، واجَهتُه أسماء مرشحة من دون إعلان للرئاسة، واللاعبون الرئيسيون فيه يخوضونه بحساباتٍ كبرى تتصل بالتقاطعات الممكنة إقليمياً أو بموجبات «القطْع» مع التحولات التي ترتسم في منطقةٍ صارت «ملاعب نارها» مفتوحة على الصراع العالمي الكبير الذي يدور في أوكرانيا وعليها بتشظياته العسكرية والاقتصادية، وباتت القوى العظمى تتسابق على استمالة دول الثِقل فيها وحجْز مواقع نفوذ لها على خريطتها من ضمن شراكاتٍ استراتيجية جديدة أو متجدّدة.
وبدت إشارة ميقاتي إلى «العصفورية» تحذيراً من مآلات الواقع اللبناني في ضوء الحُفَر الكثيرة التي باتت تملأ الطريق بينه وبين رئيس الجمهورية ميشال عون، وسط قطيعة يُخشى أن يصعب كسْرها كلما طالت، وخصوصاً في ظلّ تحوُّل ما يعتبره فريق الرئيس المكلف إساءة لمقام رئاسة الحكومة عبر طريقة تعاطي قصر بعبدا مع موعد طلبه لزيارة عون ولم يُحدَّد بعد ولن يطلب ميقاتي غيره، عنواناً لكرامة الموقع الدستوري الذي يمثّل المكوّن السني في النظام اللبناني والذي سبق أن كان خلال عهد عون خصوصاً منذ 2019 محور إشكاليات دستورية تتناول دوره وصلاحياته ولا سيما في عملية تأليف الحكومة، وهو ما عانى منه الرئيس السابق سعد الحريري الذي«أُحرج ليخرج» من تكليفٍ استمر أشهراً وطبعتْه سوابق في مخاطبة رئيس مكلّف عبر «درّاجين» واليوم بـ«نعود إليكم بعد قليل» (لتحديد موعد).