نعم ستنتخب الرهبانيّة أبًا عامًا!!

كتب الأب مارون عودة في “المسيرة” – العدد 1730

ستنتخب الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة أبًا عامًا لها في التاسع والعشرين من شهر تموز القادم، ستنتخبه بحسب قوانينها الرهبانيّة، ستختار راعيًا صالحًا يقودها إلى مراعي الكنيسة الخصبة، حيث ينهل رهبانها من معين قداستها قداسةً لهم وبردًا وسلامًا لوطنهم لبنان. بيدَ أنّها ستعلنه رئيسًا عامًا للملأ ليمثّلها أمام دولة لبنان وأمام دول العالم حيث الإنتشار اللبنانيّ. أمّا شعبها اللبنانيّ فينتظر منها انتخاب رئيسٍ عامٍ يتماشى مع المفاهيم العامة الإنتخابيّة والسلطويّة، لأنّ أبناء هذا الشعب ليسوا برهبان ينتظرون أبًا عامًا، بل هم أُناسٌ طيبون يرتبطون تاريخيًّا وأدبيًّا مع رهبنتهم البلديّة، إذ توارثوا عن أجدادهم وقوف رئيس عام الرهبانيّة الدائم أمامهم ليمنع عنهم المصائب والكوارث متى داهمت عائلاتهم وبيوتهم، فكان الرئيس العام محاميًا دائمًا عنهم وناطقًا بإسمهم في بلاط الحكّام، ومدافعًا عنهم بوجه كل غازٍ أو متسلّطٍ أراد تقييد حريتهم.

بالتوازي مع إنتظار شعب لبنان الطيّب، سيدخل الرهبان اللبنانيّون الموارنة إلى مجمعهم الإنتخابيّ، ليختاروا من بينهم مَن يتمتع بالأبوّة الرهبانيّة، فينتخبونه أبًا عامًا لهم، ليسير معهم وفي وسطهم في مسيرتهم الكنسيّة السينودسيّة «السير معًا»، ليأخذ الضعيف بحنان أبوّته أثناء سيره ضمن قافلة الرهبانيّة، ويشدّد عزيمة القويّ بثباته على حفظ القوانين والحفاظ على التقاليد والأعراف الرهبانيّة، ويحفظ للشيوخ مكانةً ثابتةً في صلاته الدائمة والسهر عليهم. ستختار الرهبانيّة راهبًا لا يبغي سوى بناء ملكوت الله على الأرض، ستأتي بمن سيحقّق مشيئة الآب السماويّ في أديار الرهبانيّة وبين جماهير أديارها، ومع شركائها العاملين في المؤسّسات التابعة لها، بعد أن يترك لله وحده تحديد تلك الساعة وتوقيتها، لأنّه سيسير حكمًا بهدي الروح القدس ضمن مخطط الله الخلاصيّ للرهبانيّة ولرهبانها وشركائها. سيكون حارسًا لها على مثال حارس الفادي، القدّيس يوسف البتول في عائلة الناصرة، لا يهاب شرّ هيرودس ولا يخاف السير ليلًا في الصحراء، لأنّه يرى رجاء الربّ يسوع حيث لا رجاء ظاهرًا في أفق البشر. وهو لن يعطي أذنه إلّا لله وحده، ولن يترك قلبه يميل إلّا إلى المسيح الفادي القائم من الموت، لذلك سيكون صخرة الرهبانيّة العاصية على أبواب الجحيم، وعليها سيبني الله ملكوته في قلوب المؤمنين.

ستأتي الرهبانيّة براهبٍ يحمل في قلبه تاريخها المجيد الذي تجاوز الثلاثماية والخمسة والعشرين سنة، ومن يحفظ في وجدانه وضميره تاريخ قدّيسين أمثال القدّيس شربل والقدّيس نعمة الله والطوباوي الأخ إسطفان. يقرّ ويعترف دائمًا بأنّه يحمل على أكتافه تاريخًا مقدّسًا أثناء مسيرته الطويلة والشاقة وعلى مدى أيام مسؤوليته، وهو لا يستطيع التوقف أمام الصعاب ولا يتراجع أمام مشقّات الطريق ومطباتها، ولا يستطيع تنزيل ثقل ذاك التاريخ عن أكتافه، لأنّه ذاك الخادم الأمين الذي ينتظر بشغفِ قلبٍ وشوقٍ داخل أكباده، مجيء سيّده إذ لا يريد أن يسقط أمام ثقته ومكافأته، لأنّه التائق أبدًا أن يكون عن يمينه متى أتى في ملكوته. هذا هو الذي ستنتخبه الرهبانيّة، من دون أن ننسى القدّيس نعمة الله الحردينيّ الذي كان مدبّرًا عامًا في السلطة الرهبانيّة لثلاث دورات (1850- 1858)، وفي ذاكرتنا حاضرةٌ دائمًا دعوى تطويب رجل الله الأب العام الأسبق أغناطيوس داغر التنوري (1913- 1929)، والمثالان هما غيض من فيض الرهبانيّة وخصوصًا ممن كانوا في السلطة الرهبانيّة.

بالإضافة إلى كلّ ذلك، ستختار الرهبانيّة راهبًا لا يخاف الإنخراط بالشأن العام بالرغم من الضائقة الماليّة والإقتصاديّة التي يرزح تحتها شعبها ومؤسّساتها، وستنتخب من يجرؤ على النزول إلى جهنم لبنان ليخلّع مصاريعها ليساهم بإخراج أهل بلده منها، وينقلهم إلى العيش بكرامة إنسانيّة من دون منّة من أحدٍ. فكلّ فردٍ من أعضاء الرهبانيّة يدرك جيدًا أن عليه أن يختار راهبًا لمواجهة هذه المرحلة القاسية على وطننا، والتي لم ينبلج النور في آخر نفقها الكالح الظلام حتى الآن، وإذ لا يملك أحدٌ ساعة توقيتٍ لهذا الليل الطويل، بينما يُفترض بالرئيس العام الآتي أن يتبصّر قِبلة هذا النور المخفيّ خلف تراكم الأزمات، والمدفون داخل جدار الفساد الصلب. يجب عليه أن يكون البوصلة التي ستخرج الشعب من تيه صحراء هذه الأزمة المتشعّبة الرؤوس والجذور الصلبة والعميقة، والتي ستبقى عاصية على حلول مسؤولين لا يخافون حساب الله ودينونته. كما ستكون في انتظار ذاك الآتي عواصف ماديّة تهبّ على مؤسسات الرهبانيّة من كلّ حدبٍ وصوبٍ، فإن جميع تلك المؤسّسات التربويّة والجامعيّة والإستشفائيّة… تواجه باللحم الحيّ كلفةً تشغيليّةً فاقت جميع الدراسات والتحاليل الإقتصاديّة، لا بل تخطّت قدرات العقل والمنطق. سيقع الأب العام بين سندان الموظفين الشركاء ومطرقة التجار القاهرة، ولا حول ولا قوّة لديه إلّا الصمود وتحمّل الضرب بين الإثنين بنفسه، حتى لا تنهار المؤسّسات ويشرّد موظفوها.

ليست تلك المهمّة سهلة المنال ولكن الرهبانيّة ابنة الثلاثة قرون ونيّف، تختزن في أرشيفها خبرات أباء عامين واجهوا باللحم الحيّ كوارث ومصائب وأزمات لا تقلّ حدّةً عن أزمتنا الحاليّة، وتخبرنا تلك المستندات أنّهم لم يستسلموا ولم يخافوا من تحمّل المسؤوليّة، بل شمّروا عن زنودهم وشدّوا أيديهم على المحراث ولم يلتفتوا إلى الوراء، لأنّ عيونهم كانت شاخصة دائمًا إلى السماء، حيث كانت تأتي عليهم نعم الآب السّماوي وبركاته، وذاك التاريخ سيتكرّر في حاضر الرهبانيّة اللبنانيّة اليوم ودائمًا.

في النهاية ستدخل الرهبانيّة إلى مجمعها الإنتخابيّ، وسيكون هناك راهبٌ يتمتع بالأبوّة الرهبانيّة، له صفات الرئاسة العامة، ومستعدّ للوقوف بمواجهة العواصف وسيصمد أمام إرتداداتها، وهو الذي سيقود سفينة الرهبانيّة في مسيرتها الكنسيّة السينودسيّة «السير معًا»، وهذا هو الذي ستنتخبه الرهبانيّة أبًا عامًا.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل