نداء الكنيسة المارونية رقم 2

تقديمٌ أوّل: في العام 2000 توجّهت بكركي بنداءٍ صاخبٍ الى اللبنانيّين، والى الخارج، وضعَت فيه النّقاطَ على الحروف في ما خصّ الواقعَ السياسيّ والأمنيّ المفروضَ على الوطن، وما جرَّ من وبالٍ على البلدِ وأهليه. واليوم، تمَّتِ النقلةُ النوعيةُ منَ موقِعِ التّركيزِ على قَبولِ الظّروفِ، أيّاً تَكن، ومن عدمِ اتّخاذِ ردَةِ فِعلٍ وازِنةً، منعاً لتوتيرِ الأوضاع، وحرصاً على سلوكيّةِ بكركي الوطنيّة والتي قوامُها الجَمعُ لا التّفرقة، الى نوعٍ من المواجهةِ التي من أبرزِ نتائجها الإنتصارُ للحقِّ باندفاعٍ عنفوانيّ، ورفضُ التَّطويعِ بالتّهديدِ والتّرهيب. لذا، يعودُ صوتُ بكركي الى ساحتِهِ، قائلاً: ” لسنا مَكسرَ عصاً، وقيامُنا برعايةِ أهلِنا، أينما كانوا، هو رايةُ فَخرٍ، وليس وصمةَ عار “.

تقديمٌ ثانٍ: إنّ إطلاقَ البيانِ، بالأمس، هو ثُنائيُّ التَوَجُّه، بمعنى أنّ مُطلِقيهِ، وعلى رأسِهم صاحبُ بكركي، يَسْعَون الى أن يسمعَهُ، وبِإِمعانٍ كُلّيّ، كلٌّ من الدّاخِلِ والخارجِ، وعلى حَدٍّ سَواء. فالمُطالبةُ بعدمِ أخذِ البلادِ الى الضَّياعِ بتسخيرِ القضاءِ لتدجينِ السياديّين، ولاستباحةِ الحقوقِ والكرامات، دعوةٌ الى إمساكِ القانونِ بعَدلٍ، حتى لا تبقى الدولةُ منشولةً من متسلِّطينَ اقترعوا على ثيابِ لبنانَ بعدَ أن علّقوه على خشبةٍ من لحمِهِ ودمِهِ. والبيانُ صرخةٌ ينبغي أن يسمعَها المجتمعُ الدّولي، لدَعمِ حيادِ لبنان، يُفهَمُ منها أنَّ تَرَهُّلَ الدولةِ أدّى الى استباحةِ كيانِ الوطن، وزَجِّهِ في أتونِ المَحاورِ، وذلك لتحريمِ حلمِ النّاسِ بالتحرُّرِ الحقيقيّ، وتَوقِهم الى حياةٍ راغدةٍ وواعِدة.

تقديمٌ ثالث: لقد باتت بكركي، في بيانِها، تشعرُ بالحاجةِ الى فَرضِ تسويتِها، على الدّاخِلِ، وعلى مُحيطِها أيضاً. فبعدَ أن مارسَت، ولفترةٍ غيرِ قصيرة، سياسةَ ردَّةِ الفِعل التي أَلْزَمَتْها تقديمَ تنازلاتٍ إضطراريّةً لحمايةِ لبنانَ مِمَّن يريدون له السّوء، أغراباً و” ولاد البلد “، برزَ لها سؤالٌ إستراتيجيٌّ: “هل كُنّا على حَقٍّ في عدمِ متابعةِ معركةِ السّيادةِ التي بدأَها أسلافُنا”؟ من هنا، كانَ نداءُ بكركي، عودةً للتَمَسُّكِ بالحقِّ، من جديد، وهو حَقُّ أن يكون لنا وطنٌ سَيِّدٌ، ذو قرارٍ حُرٍّ، يعيشُ فيه بَنوهُ غيرَ قَلِقينَ على حاضِرِهم ومستقبلِهم، فتَعودُ الكرامةُ الوطنيّةُ، بذلك، الى أَخْذِ نَفَس .

ملاحظة: إنّ العودةَ الى السّاحةِ الوطنيّةِ بالمواجهة، ليسَت عشوائيّةً، بِقَدرِ ما هي مُلتزِمَةٌ بإِستراتيجيّةٍ واضحة، هي المَضِيُّ بالتَّحرُكِ، حتى اندِثارِ مَقولةِ الدُّوَيلةِ التي دمَّرَتِ الوطنَ بشَدِّهِ الى الإنحياز،ِ وتَبَنّي التَّمَحورِ القاتِل، ليُشرِقَ، على أنقاضِ هذه البِدعة، فجرُ الدَّولةِ التي تعودُ الى روحِ الميثاقِ الوطنيّ، الذي دافعَت عنه بكركي، ودفعَت، بذلك، الكثيرَ من الأثمان .

الإشكالية: هل يُشكِّلُ هذا النّداءُ مُفتَرَقاً مِفصَلِياً في حاضرِ الوطنِ، ومستقبلِهِ؟ وما هي الآليةُ المُتاحَةُ، أو خارطةُ الطَّريق، للتَّوَصُّلِ الى جَعلِ مضمونِ هذا النّداءِ حقيقةً مَلموسةً؟

الشَّرح: إنَّ الإجابةَ، في هذا الموضوع، سَهلةٌ، وخطيرةٌ، في آنٍ واحِد. فإذا تَوَكَّلنا على استعدادِ القوى السِّيادية، جميعِها، الى الحراكِ الفاعِلِ، وبشتّى الوسائل، للتَّأثيرِ، والدَّعم، يُمكنُ أن نضعَ أيديَنا ” في الماءِ الباردة “، كما يقولُ المَثَلُ الشَّعبيّ. أمّا إذا التَفَتنا الى حَملَقَةِ الفريقِ المُسَلَّحِ والى تَخَرُّصاتِ مَنْ يصَفِّقون له، وَضَعْنا أيديَنا على قلوبِنا. فالمواجهةُ، شِئْنا أمْ أَبَينا، هي بينَ الطَّرحِ الوطنيِّ الموضوعيِّ المُستنِدِ الى مفهومِ الكيانِ، والدَّولة، كما في سائرِ اُمَمِ الأرض، والتي تتخّذُ بكركي، منه، موقفاً مبدئيّاً مسؤولاً، وبين أستباحةِ الهيمنةِ بامتِلاكِ القوّة، ليفرضَ المُستَقوي مَعاييرَهُ في لعبةِ السُّلطة، مُحاوِلاً اختزالَ الدولة، ومُصادرةَ قرارِها، حتى وَلَوْ كانَ سبيلُهُ الى ذلك، الإِصطدامَ، أَقَلَّهُ، بِنُصفِ اللُّبنانيين، إِنْ لم يكنْ أكثر، حاليّاً. وعلى هذا، يَتَبيَّنُ، وبوضوحٍ، أنَّ سقفَ القَبولِ بمشروعِ الدولة، وحيادِ البلاد، وعودةِ القرارِ الى السلطةِ الشرعيّة التي تمتلكُ، حصريّاً، السّلاح، هو منخفِضٌ، أو متخلخِل، لدى فريقِ السلاحِ خارجَ الشَّرعية، والذي يعرِّضُ البلدَ لاهتزازاتٍ خطيرةٍ يمكنُ أن تودِيَ بوجودِهِ. فما تَسويقُ التَّشهيرِ بالتَّخوينِ والعَمالة، وقد تبنّى ذلكَ قرارُ القاضي ” العجيب ” في تفنيدِ اتّهامِهِ المطران موسى الحاج، وما الإِعلانُ بأنّ جماعةَ الفريقِ المُسَلَّحِ هم ” أسيادُ هذا البلد “، وما التَّهديدُ المستمرُّ الذي يجري على ألسنةِ البعضِ وكأنّه ” تحصيل حاصل “، سوى الصورةِ الحقيقيةِ لواقِعٍ لا يَقبلُ الجَدَل، والمُتَمَثِّلِ بالرَّفضِ القاطِعِ لتَخليصِ لبنانَ من أزماتِهِ التي افتَعَلَها هذا الفريقُ وأعوانُهُ الميامين، وذلك للوصولِ الى الإستئثارِ النَّاجزِ بالسّلطة، وتسهيلِ تنفيذِ شِعارِ    ” لَبَّيكَ يا مَوت  “.

الحَلُّ المُتاح: قُبالةَ هذهِ الحَيثيةِ – المُشكلة، لا بُدَّ منَ تَبَنّي إجراءاتٍ ميدانيةٍ مُباحَةٍ، ومُتاحَةٍ، في آنٍ مَعاً ، يُمكنُ استهلالُها بإعلانِ قيادةِ بكركي لِما ينبغي، حتماً، أن يُصارَ الى إحيائِهِ، أي  ” الجبهة اللبنانيّة المُوَسَّعَة ” التي يتمثّلُ فيها الجميعُ من أيِّ مذهبٍ أو طائفةٍ، وتدعو الى التَّعبئةِ المُستدامَةِ لجُمهورِ ” الحريةِ والسّيادةِ والإستقلال”، والذي لَمّا يَزَلْ يَثِقُ بمرجعيّتِهِ في بكركي، وبأَهدافِها الوطنيّة. وتالياً، التَوَجُّهُ لكلِّ النَّسيجِ الوطنيِّ قاطبةً، بِخُطابٍ واضحٍ، وجريءٍ، ومستمِرٍّ بِتَنامٍ، مُرَكِّزاً على ما يعاني منه اللبنانيّون، جميعُهم، من ذُلٍّ ومهانةٍ وعَوَزٍ وقَهر، بسببِ تمادي أخذِ البلادِ الى جولاتِ الإنقسامِ، والتّباعد، وما نتجَ عنها من خَلَلٍ في بنيةِ الدولة، ومن تَعَدٍّ على الكيانيّةِ وسيادتِها، أَنتجَ قلقاً على السّلامةِ والمصير. كما ينبغي العملُ على إطلاقِ إستراتيجيا المواجهة، بالتَّواصلِ مع الخارجِ، إقليميّاً ودوليّاً، وعلى أعلى المستوياتِ الرسميةِ والأَهليّة، لِعَرضِ حقيقةِ ما يجري، وللمطالبةِ بِدَعمِ لبنانَ، سريعاً، لكي يعودَ بلدَ الأَمانِ والأمانة، وذلك، بتَدويلِ أزمتِه، وتنفيذِ القراراتِ الأُمَمِيّة، كما يلزم، وتجييشِ الجامعةِ اللبنانيةِ الثقافيةِ في العالَم، واللبنانيّينَ في بلدانِ الإنتشار، لِطَرحِ القضيةِ اللبنانيةِ من على المنابرِ العالميّة، والمَحافلِ الدوليّة، وهي قضيّةٌ مركزيّةٌ مُحِقَّةٌ وحاضرةٌ في عمقِ الوجدانِ الوطني، وهي، كذلك، جزءٌ من ثقافةِ الإنتماء. وما تحريكُ المَهاجِرَةِ سوى تشكيلٍ لصَمّامِ أمانٍ دَوليٍّ أكيد، نحن بأَمَسِّ الحاجةِ إليه.

خاتمة : إنَّ بكركي لم تَعُدْ جُندياً مَجهولاً ، فهي أقوى الأَسلحةِ، وأَحَدُّها ، وهي الصّامدةُ، لا الصّامِتة، وهي عامِلُ النَّجاحِ الأَوحدُ في المُواجهةِ بينَ الخوفِ والإِقدام . لقد انقضى موسمُ شَطبِها، فلا نُضَيِّعَنَّ، إِذاً، فرصةَ عودتِها مع شَعبِها الى السّاحة ، رافِعةً بَنداً وحيداً قوامُهُ نِضالٌ غيرُ قابلٍ للتّراجع، وذلك، وحدَهُ، يُعيدُ، ببكركي ومعها، خريطةَ الوطنِ إلينا .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل