خارطة الإنقاذ

 

نجح البطريرك بشارة الراعي باستنهاض الشارع السيادي على أثر الاعتداء الفاضح الذي مارسته منظمة حزب الله بسطوتها على المؤسسات، لا سيّما القضائيّة منها. وما كتب لها هذا النّجاح لو لم يؤمّن لها حليفها البرتقالي هذه القدرة من خلال التعيينات القضائيّة التي استصدرها بعد تولّيه سدّة الرئاسة وسيطرته على وزارة العدل في حكومة الحريري الأولى في العهد التي شغل فيها سليم جريصاتي منصب وزير العدل. فما هي خارطة الطريق التي رسمتها بطريركيّة لبنان للإنقاذ؟ وهل من الممكن بعد تحرير ما تبقى من المؤسسات من سطوة مَن يمثّل إيران وسوريا ومحورهما في لبنان؟

لا يبدو بأنّ حادثة توقيف المطران موسى الحاج ستقفل بتسوية ما، لأنّ البطريركيّة رسمت طريقًا للإنقاذ إن لم يتمّ سلوكها، فالارتطام الكبير سيقع حتمًا بين لحظة وأخرى. وبات الصراع اليوم بين خطّين: الخطّ الأوّل تجسّده منظمة حزب الله وحلفائها ومَن يمثّلون في لبنان، والخطّ الثاني تجسّده البطريركيّة المارونيّة التي تحوّلت إلى بطريركيّة لبنانيّة ومعها السياديّين والأحرار الذين قرّروا المواجهة.

يبقى أنّ بعض المستقلين أو الجدد أو حتّى مَن يمثّلون مجموعات حضاريّة بالمطلق قد حزموا أمرهم وقرّروا عدم المواجهة. فالأولويات تختلف. فمنهم مَن يرى بأنّ الأولويّة هي للحماية الاجتماعيّة الفوريّة، ولاستثمار الأزمة لتحسين وتطوير النظام اللبناني، بدءًا من المشكلات الاقتصاديّة، مرورًا بالإدارة اللبنانيّة وإعادة هيكلتها، وصولاً إلى إصلاح النظام السياسي. ومنهم مَن يرى مهادنة المنظمة المسلّحة لأنّه يعتبر أنّ وجوده الأقلويّ في خطر، ولأنه يطمح بأن يكون شريكًا في حكومات العهد الجديد جنبًا إلى جنب المنظّمة. ومنهم مَن لا يملك في جيناته أساسًا جينات المقاومة اللبنانيّة فكيف له إذًا أن يواجه؟

واستنادًا إلى ما قاله غبطة البطريرك عن النوّاب الذين شاركوا في قدّاس أمس الأحد، إذ اعتبرهم صوت بكركي السيادي والحرّ في المجلس النيابي، تبدو الصورة أمام هذا الواقع المجلسي مريبة، إذ إنّ الطريق الديمقراطيّ لن تكون من دون عثرات برلمانيّة تحت حجج مختلفة. لكن النتيجة ستكون واحدة إن لم يحزم هؤلاء كلّهم أمرهم، وينخرطوا في المواجهة جنبًا إلى جنب الخطّ السيادي.

وبما أنّ الموضوع السيادي تعدّى قدرة الدّولة على استعادته لأنّه أصبح مشكلة إقليميّة ودوليّة، لا سيّما بعد القمّتين اللتين عقدتا في كلّ من جدّة وطهران؛ لن يتمكّن اللبنانيّون السياديّون معالجة هذه الإشكاليّة من دون مساعدة المجتمعين الإقليمي والدّولي، إضافة إلى القدرة المحليّة على المواجهة. وهذا ما حدّده غبطة البطريرك في عظته الديمانيّة كخارطة إنقاذ بثلاثة مستويات:

1- الحياد الإيجابي الناشط

2- اللامركزيّة الموسّعة

3- مؤتمر دولي لحلّ المسائل المسمّاة خلافيّة

من هذا المنطلق، يبدو أنّ التوجّه نحو انعقاد المؤتمر الدّولي بات ناضجًا إقليميًّا ودوليًّا. وهذا ما ستحاول المنظّمة إجهاضه كي لا تدخل في اشتباك دولي وإقليمي لن تتمكّن من مواجهته من دون أن تكون بيدها أوراق قوّة وضغط. ولا يبدو أنّ هذه الأوراق عديدة، باستثناء الملفّ الترسيمي الذي قد يشهد تطوّرات بارزة في القليل المقبل من الأيّام. وفي حال نجاح المجتمعين الإقليمي والدولي بانتزاع ورقة الترسيم من يد المنظمة ذلك سيفضي حتمًا إلى انتحار جماعي قد ترتكبه بهدف أن تنجح بفرض شروطها في أيّ مؤتمر قد يعقد من أجل لبنان الجديد.

ولن تكون الرئاسة الأولى بمنأى عن هذا المخطط الدنيء الذي تعدّه. ولمواجهته لا بدّ من دفع المجتمع الدولي على تطبيق القرارات الدوليّة لا سيّما القرار 1559 الذي منه قد تتمكّن الدولة اللبنانيّة من تحرير ما تبقى من مؤسّسات من السطوة المسلّحة. لأنّ هذا القرار يستطيع إعادة السيادة إلى الدولة اللبنانيّة، كما نجح تطبيقه الجزئي في العام 2005 بإعادتها جزئيًّا بعد خروج المحتلّ السوري. وما خسره اللبنانيّون في الدوحة في العام 2008 يجب استعادته باستكمال تطبيق الـ1559، ولو بطريقة جزئيّة ثانية، لسحب ذريعة الحرب الأهليّة التي ما فتئت المنظمة المسلّحة تخيف اللبنانيين فيها.

على هذه الأسس سيبنى لبنان الجديد. وعلى كلّ مَن هو مهتمّ بالقضيّة اللبنانيّة أن يلعب الدّور المناط به. ولا يمكن بعد اليوم لحالة الشواذ المؤسساتي أن تستمرّ؛ لأنّ هذه الحالة، ومَن هادنها ووقّع معها تفاهمات، هي السبب في وصول اللبنانيّين إلى ما وصلوا إليه اليوم.

فالمؤتمر الدّولي سيحلّ المسائل المسمّاة خلافيّة، لنعود إلى الدّستور لتطبيق اللامركزيّة، وتوسيعها حتّى يتمكّن اللبنانيّون من إدارة تعدّديّتهم الحضاريّة، من دون أن يصطدموا بعضهم ببعض كلّ عشرة سنوات، ليكون الحياد الناشط والإيجابي الضامن الوحيد لاستمرار الدّولة اللبنانيّة وسط أتّون التجاذبات الإقليميّة التي فرضها الواقع الجيوبوليتيكي على دولة لبنان الكبير التي إن لم تكن كما تريدها البطريركيّة اللبنانيّة لن تكون.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل