#dfp #adsense

الأهزوجة اللبنانية تبدأ مشوارها مع الراب اللبناني بـ”صارت سنة الألفين” وتكمله مع أغنية Chargeur

حجم الخط

الأهازيج هي موروث شعبي قديم ونشيد شعبي في لغة العامة من الناس ينشده القرويون في كل الشعوب وفي مناسبات كثيرة ومتنوعة، مثل الحروب، وعند الوفاة، والاستعراض (العراضة) والأعراس، والاستقبال والتوديع. الأهزوجة هي نوع من الأناشيد الشعبية الغنائية، ولا يصاحبها أي نوع من الآلات الموسيقية، فهي تعتمد في إلقائها على المد الطويل للكلمات مع إصدار الصوت الواضح الدال على هذا التمديد، كما يتم إلقاء الأهزوجة بحسب عادات وتقاليد شعوب منطقة الشرق الأوسط، وبحسب لهجاتهم المحلية الخاصة بهم، وقد نجد اختلافات واضحة بين أهازيج بلاد الشام. الغرض العام الذي يتأتى من الأهازيج هو إثارة الحماس أو تعبيراً عن الفرح الغامر في الأعراس. الأهازيج موضوعاتها حماسية في المناسبات والافراح، ولكن مع تطور الحياة، ثقافتها ومشاكلها بدأت الأهزوجة تدخل في النقد الإجتماعي، والإقتصادي والسياسي. الأهزوجة في لبنان لها أشكال عديدة ومتنوعة، إذ تختلف التعابير بين محافظة ومحافظة وبين منطقة ومنطقة، من حيث التعابير الشعبية أولاً، وثانياً من حيث النغمات المعدودة المستعملة. الزغاريد في الأعراس، الأناشيد الحماسية في الملاعب، الرديّات… تميّز بكلامها الشعبي المحكي، والعفوي، والمعبّر والسهل الفهم، ومن أهم ميزاتها بأنها تعكس عفوية وهضامة صاحبها. لا تعتمد الأهزوجة في أساسها على الأوزان الشعرية ولكنها تأخذ اللحن الشعبي المعروف والمعتمد من حيث النغمة في كل محافظة ومنطقة. ومن أهم مميزاتها أيضاً هي بأنها قصيرة الزمن وتحتوي على تكرار النغمة نفسها بين جملة وأخرى، لكن الميزة الأهم بأن هذا النوع بحسب ما تشير إليه الإحصائيات تاريخياً هو ألاصعب من حيث التواجد وليس من حيث العمق أو الصعوبة لأن الإعتماد يرتكز على “أريحة” خاصة وهضامة مصحوبة بخفة دم صاحبها. مع عمر الزعني (1895-1961)، بدأ الكلام الشعبي العفوي، المحكي، البيروتي والمستعمل أساساً في الأهزوجة يدخل ضمن سياق أغنية مبنية على شعر موزون وألحان طربية، ونذكر منها أغنية “كريزا”، أو “روق روق لا تنهم”، أو لحن نشيد مثل “بيروت”. الأهزوجة اللبنانية من حيث لغتها، ومفرداتها ومناخها، تسببت في بروز فن المونولوج. مع الشاعر الكبير يونس الإبن أخذت الأهزوجة اللبنانية نمطاً تقدمياً واسعاً ضمن الميلوديا حيث كتب حوالي 20 أغنية للفنان الكبير مارون نمنم. كان مارون نمنم يختار عدة ألحان شرقية وغربية حيث يلاقي نفسه بها ومن ثم يذهب إلى يونس الإبن ليضع له الكلام في زمن قياسي، ونذكر منها “هالله هالله يا لويزا”K “كاترين” التي هي مأخوذة من أغنية راسبوتين لفريق “بوني أم”(Boney M) . ، “ضجرنا من البيت ضجرنا” من ألحان عازار حبيب عل النمط الشعبي اللبناني، ” ليندا”، “نمنم جايي يحييكم” لحن شركسي. أيضاً، مع الشاعر ميشال طعمة كان للأهزوجة نصيباً في أغانيه مع الراحل شوشو ومن الحان موسيقار الأكوان الياس رحباني، نذكر “شوشية للشاطرين” و”ألف با وبوباية”. كما نذكر عملاقة المونولوج فريال كريم مع الياس الرحباني، الفنان فيلمون وهبة، الشعراء منيرعبد النور، شفيق المغربي الذين كتبوا الأهزوجة وغيرهم، وضاحك الليل الفنان أيلي أيوب في ألبوم “بليلة عرسو” وألبوم “طازة يا سمك” من كلمات الشاعر سمير نخلة، أغنية “كلب الكانيش”، “الجيبة صارت منتوفة”، “حاميها حراميها” من كلمات توفيق بركات، وأيضاً الفنان إيلي مسعد عبر ألبوم “لوكوندو كوشكوش” وغيرهم. الجدير بالذكر أنه كلّما الإنسان إبتعد عن التعقيد في الكلام واختار السهولة والبساطة والهضامة يعني أنه استطاع أن يبلغ إلى النسبة الكبرى من الشعب. أكثرية الشعوب في جميع بقاع الأرض تهوى السهولة والشعبوية وتبتعد عن التعقيد في الشعر واللحن، لذلك كل موسيقى شعبية في كل بلد تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد المستمعين والأتباع. كما يقول الفيلسوف الألماني هيغل بأن الفلسفة هي مسألة تختص بفئة قليلة من الناس وليس جميع الناس، وهذا دليل بأن البساطة في إيصال أي مضمون، أي كلام في أي مجال كان سيلاقي حسن الإستقبال عند الحيّز الأكبر من الناس. وإذا لاحظنا عبر التاريخ فإن النقد الإجتماعي والإقتصادي والسياسي لاقى نجاحاً باهراً ومنقطع النظير مع الفنون الشعبية على شتى أنواعها في الموسيقى الشرقية والغربية. إذا أردت أن تبدع في أي مجال، عليك أن تأتي بخلق جديد وإذا اردت أن تتبع مدرسة معينة، عليك أن تكون تقليدياً. لم يعرف الفنان غسان الرحباني التقليد منذ دخوله الأغنية النقدية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية منذ البدايات لا من حيث الشعر ولا من خلال اللحن، وأبرز مثال عل ذلك أغنية ” فيتامين” على موسيقى الروك. إستطاع غسان في البدايات تثبيت أسمه في هذا المجال في ألبوم “Buzzy war” في العام 1994. إستطاع بعدها أن ينطلق بإبداع جديد ضمن ألاغنية النقدية حيث إستعمل الطرب الشعبي اللبناني الخفيف مع أغنية “طريق المطار” العام 1996وأغنية “يا معالي الوزير” العام 1998. غسان الرحباني ليس الوحيد بين الرحابنة في إستعمال الأهزوجة، فلقد إستعملها الأخوان رحباني وزياد ومنصور ولكن مع ألوان وأنماط موسيقية مختلفة. مع بلوغ الألفية، قرر غسان الرحباني تسجيل إبداع جديد في الأغنية النقدية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية من خلال أغنية “صارت سنة الألفين” حيث إستطاع أن يستعمل الأهزوجة اللبنانية من جهة، ومن جهة ثانية إستطاع أن يخلق موسيقى راب لبنانية الصنع. الراب هو نوع من أنواع الغناء وأحد فروع ثقافة الهيب هوب الرئيسية. الراب هو التحدث وترديد الأغنية بقافية معينة، وهو أيضاً تسليم القوافي والتلاعب بالألفاظ حتى تتماشى مع القافية من دون الالتزام بلحن معين. انتشر الراب في الولايات المتحدة الأميركية في بداية السبعينات في حي البرونكس في ولاية نيويورك على أيدي الأمريكيين الأفارقة، كما أنتشر عالمياً منذ بداية التسعينات. موسيقى الراب عنصر أساسي في الهيب هوب، لكن هذه الظاهرة كانت موجودة قبل ثقافة الهيب هوب بعقود. يمكن إلقاء الراب بوجود الإيقاع أو من دونه (بما يعرف بالفري ستايل) وبشكل عام فإن صوت المغني أو المغنية ليس هو المعيار إنما نبضات الموسيقى نفسها وكلمات الأغنية. من حيث الأسلوب: فإن الراب يقع في منطقة رمادية بين الكلام والشعر والنثر والغناء. استخدمت الكلمة في اللغة الإنكليزية البريطانية بمعنى “يقول” منذ القرن الثامن عشر. كلمة RAP هي اختصار لجملة “Rhythm And Poetry” والجملة تعني “الإيقاع والشعر” حيث أن الكلمة كانت جزء من لغة الأميركيين الافارقة منذ الستينيات. إستطاع الرحباني أن يرى القواسم المشتركة بين قول الأهزوجة وقول الراب، فقد خلق “ريتم” وإيقاع لبناني البلدي مع نغمة لبنانية متكررة توازي تكرار الـ”ريتم” والنغمة في الراب (Sequence) ، كما أنه قال الأهزوجة قولاً وليس غناءً مثل الراب مع ترديد قافية معينة، لأن ليس هناك غناء في الراب، بل قول. أيضاً فن الراب يستعمل لغة الشارع الأميركي (Slang language) للتعبير عن واقع معيّن، وقد رأى الرحباني نفس الجو في الأهزوجة. ضربت الأغنية نجاحاً باهراً ولا تزال حتى اليوم تتردد على شفاه الجميع. تبعتها “صارت سنة الألفين” جزء 2 و”صرنا بقرن ألألفين” والتي تضمنت إبداعاً جمع موسيقى الراب اللبنانية بالموسيقى الكلاسيكية والكورس الغريغوري مع دخول موسيقار الأكوان الياس رحباني في مقطع “نزّل نزّل”، ثم نلاحظ عند نهاية المقطع “بتعرفني” عند القفلة، العودة من جديد إلى الراب. يختتم الرحباني صرنا بقرن الألفين بتغيير الـ”ريتم” والإيقاع اللبناني إلى إيقاع و”ريتم” الراب مع المحافظة على النغمة اللبنانية مع الملاحظة الهامة بإستعمال الموال اللبناني في القفلات الأخيرة. دخل غسان من الباب العريض في ألبوم “البيضة والتقشيرة” الذي صدر في العام 2003، وتضمن هذا الألبوم كل ما سبقه من ألبومات مثل ألبوم “صارت سنة الألفين” والأغاني من ألبوم”Buzzy war” مثل أغنية “اشتغل”، بالإضافة إلى أغاني فردية مثل “صرنا بقرن الألفين”، “الجمهور عايز كده”، “نقلكن نحنا مين”. نقول إن الرحباني ليس هو من إستعمل فن الراب في لبنان، لكن الذين استعملوه قبله كانوا غربياين وأميركيين بالتحديد في نسبته القصوى. فن الراب على الرغم من عدم عمق الموسيقى من ناحية التأليف أو عمق الكلام، إلاّ أنه يميز صاحبه بأنه يستطيع أن يعّبر ببساطة الكلام عن كل المضمون والموضوع الذي يريد أن يوصله إلى المستمعين. في الـversion الأكثر حداثة هي التي أُطلقت سنة 2021 “بعد ما شفت الشي”، والتي شهدت دخول أكورات الجاز في التوزيع – عندما يكون الممثل فادي شربل يتكلم – بعد “ركبنا علجحشي”، ثم نلاحظ خروج من جو الراب الكلّي إلى الجو الشعبي اللبناني الصرف في مقطع “اللوازم المطلوبة”، من بعدها العودة إلى الراب ولكن مع ملاحظة وجود الجو البلدي اللبناني مع الطبل والمزمار داخل الراب، عند القفلات الأخيرة. كما ذكرنا سابقاً أن الراب يعتمد على أداء القول وليس الغناء، إنما القول ليس بألأمر السهل بتاتاً لأنه يعتمد على الـ”ريتم” والإيقاع وعلى المؤدي اللحاق بهما وقد يصل إلى سرعة تُفقد السامع سمع الكلام وفهمه. أغنية “Chargeur” تختلف عن صارت سنة الألفين من حيث الموضوع بدايةً لأن صارت سنة الألفين موضوعها يتعلّق بالبلد والشأن العام بينما Chargeur تتكلم عن جو بيت يعيشه رب منزل مع عائلته. تبدأ الأغنية بإيقاع راب بطيء مع الـ”ريتم” ثم ينتقل الجو من الراب الأميركي إلى الراب اللبناني مع الإيقاع لف سبانيولي السريع. عند بدء الكلام “دار الموتور” يدخل في التوزيع أكور لبناني على آلة الغيتار كلاسيك ثم وجود آلة الأكورديون التي تلعب متتالية راب لبنانية متكررة. عند مقطع “بالمطعم” ينتقل الإيقاع من اللف إلى المقسوم. بعد “طفيوا الموتور” يعود إيقاع اللف السبانيولي مع الأكورديون والغيتار الكلاسيك. بعد جملة “عندك كهربا لنشرج”، يدخل جو الراب الأميركي بطريقة مختلفة عن بداية الأغنية. نلاحظ عودة المقسوم والـ”ريتم” فقط عند “المولد ركب موتور”، والملفت إستعمال كلمة موتور بشكل كثيف في الجمل والقفلات للعب على المعنى وهذا ليس غريباً على غسان الذي جسّد هذه الطريقة سابقاً في أغنية “معك ما معك”. من”إنضرب الموتور” لغاية “المشكل ضاع الشارجور” عودة المقسوم لفترة وجيزة ثم اللف السبانيولي مع ملاحظة قول الراب بتكنيك فائق الصعوبة يعجز الكثيرون عن تأديته وهو “الدوبل كروش (Croche Double)” عند “عطيني الموتور” يختفي الإيقاع ثم يبدأ اللف السبانيولي من جديد لغاية “طفيوا الموتور”. في القفلة الأخيرة يعود الراب الأميركي بنوتات خالية من الإيقاع والـ”ريتم”.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل