قراءةٌ في سِفرِ بطريركِ الوطن

عندما تَطولُ شَقوةُ الناس، ويتقنَّعُ لبنانُ بالظّلم، وتَفسدُ حياتُهُ بذُيوعِ الشرِّ، وإعصارِ الشياطينِ، أكانوا قادِمينَ من جهنَّم، أم بَلَديّينَ جهنَّميّين، يكونُ ثمنُ التّهاونِ انتكاسةَ الأمانةِ للحقيقة، فلا بُدَّ، إذاً، من أن يُفرَشَ لكلامِ الحقِّ طولُهُ، والحقُّ كالزّيتِ يطفو على الدَّوام.

في مواجهةٍ لانحطاط السّلطةِ، ولَو الإِسميّة، التي رسَّخَت فُصولَ القهرِ، والاستبداد، والتَجَنّي، وبتغطيةٍ سافرةٍ مِمَّن أباحوا لأنفسِهم المحرَّمات، وأتَوا الموبقاتِ في كرامةِ الوطنِ وحقِّ أهلِهِ بالحياة، لم يقفْ بطريركُ لبنانَ جليديَّ الصَّوت، فأشاحَ عن الحقيقةِ ادِّعاءاتٍ هشَّمَت نقاءَها، وأَعمَت وَعيَ الناسِ أمامَ مفاهيمِ الوطنيّةِ، والحقوق، وأفكارِ التّنويرِ، والحريّة.

 

بطريركُنا اللبنانيّ، الثِّقةُ بهِ تُحفة، وكلامُهُ كَمَنْ يفكُّ أسيراً، فبعدما أزالَ سلوكُ المترَبِّعين على السدّاتِ أمانَ النّاس، وبطشَ الطّارئونَ بالوطنِ فصارَ أَسوَدَ الصفحة، لطالما كان البطريركُ داعيةً الى اتّخاذِ المودّةِ خليقةً، وأنفقَ أيّامَهُ لكي يتصبَّحَ أَهلوهُ بالسلامةِ مع كلِّ صباح. فقد آمنَ سيّدُ بكركي بأنّ في لبنانَ مجالاً لا تضيقُ ظِلالُهُ، وكَسْوَةً لا يحارُ، معها، عُريٌ، وعيناً أمّارةً بالرّحمةِ، ومغموضةً عن أيِّ إساءة. وتَمَحوَرَت مواقفُهُ، كلُّها، مدموغةً بهذا الاقتناع، وخُتِمَ كلامُهُ بحِبرِه، مشارِكاً في العملِ لثقافةِ الحياةِ الكريمة، هذه التي لا تُصانُ باستهتاراتِ المتسلِّطين، واستعداءِ الآخَر، فالإنسانُ، أَيُّ إنسان، في نظرِ البطريرك، هو أشرَفُ الأَحبابِ من حيثُ هو نعمةٌ ونُسخةٌ إلهيّةٌ على الأرض.

 

ولكن، بين الانحياز للكرامةِ والحقّ، وبين التّغاضي المودي الى مُرتَجى المتآمِرين السّالِكينَ سبيلَ هَدمِ البلاد، كان لا بُدَّ من الرابعِ والعشرين من تمّوز، لإعلانِ صُبحِ المواجهةِ بقرارٍ حاسمٍ، وحازم، للخروجِ من بين قضبانِ الباطل، ولتبنّي نهجِ التصدّي لخُبثِ الحُكّامِ، ولإقطاعِ المتلاعِبينَ بالمصائر، ولزَيَفِ المُتَلَطّينَ خلفَهم.

 

نعم، إنّ الرابع والعشرين من تمّوز هو بزوغُ فجرِ قائدٍ لبنانيٍّ حقيقيٍّ، عابِرٍ للمذاهبِ والطوائفِ والمناطق، ينتفضُ رافضاً لبنانَ مدينةً فاسدة، ذاتِ صورةٍ بَشِعة، تتقوَّضُ فيها دعائمُ القِيَم، ويتحوّلُ إنسانُها مجرَّدَ رقمٍ مظلوم. فهذا الانحطاط هو عقرُ دارِ الفساد، وهو الجَيبُ المرقوعُ في زمانِ لبنان. أمّا قرارُ المواجهة، فهو ليسَ إعلاناً فوقَ حائطٍ، يُزالُ لدى أَقَلِّ زَخَّة، إنه قَدَرٌ غيرُ قابِلٍ للاختزال، ليس أمامَ المؤمنين بالسيادةِ، والكرامةِ، والحرية، سوى احترامِهِ وتطبيقِهِ، لأنهم، إِنْ لم يفعلوا، فالمتَرَبِصون بهم سوءاً، يعرفون كيف يقتّصونَ منهم.

البطريركيّة المارونيّة هي رئةُ الوطنيّة، وبرجُ لبنانَ المتجذِّرُ في قلبِ التاريخ، والدّالَّةُ على وطنٍ يربطُها بهِ عشقٌ كيانيّ، ولطالما قدَّمَ أسيادُها البطاركةُ الصيغةَ الناضجةَ لتنسيجِ مفهومِ التّعاقدِ المواطِنيّ الذي يتبلورُ بمشاركةِ الجميع، فلا مُزاحِمَ، عندَها، للرابطةِ الوطنيّةِ، ولا تَعزيزَ إلّا للهويّةِ التي تُمَتِّنُ مبدأَ الانتماء الى الوطنِ مَسكَنِ الرّوحِ والبَدَن، فكما أنّ الصّلاةَ لا تُؤنَسُ إلّا بالتّرتيل، فالوطنُ لا يَطيبُ إلّا بالولاء.

 

بطريرك لبنان ليس باردَ النَّفَسِ مع قضيّةِ الكرامة، وهو الذي حازَ الفضيلتَين: العنفوانَ، والحسَّ الوطني. ففي ظلِّ الأَنينِ الذي باتَ الناسُ يألفونَهُ جرّاءَ إرغامِهم على التخلُّفِ بالقوة، ظلماً، وفَقراً، وتهجيراً، واستعماراً، وإفلاساً… بحجبِ حقوقِهم وحريّاتِهم، فباتوا في قَلَقٍ مصيريٍّ داهم، أطلقَ سيّدُ بكركي أنّ المواجهةَ هي إكسيرُ الكرامة، وليسَ البكاء، فلا بدَّ من نُضوجِ مجابهةٍ عموميّةٍ تنسحبُ على فئاتِ النّسيجِ الوطنيّ، جميعاً، لتنفيذِ تحوّلاتٍ عميقةٍ في بنيةِ الدولة، ومؤسّساتِها، وقوانينِها، من شأنِها توسيعُ رقعةِ الحريّاتِ والحقوق، ووضعُ حَدٍّ للقَهرِ، والتَّجاوزات، والطّغيان، والانحرافات في أداءِ ذوي الحكم، والفسادِ الطّاغي، كما إطاحةُ أصحابِ المراكزِ الموبوئين القابِضين على مفاصلِ القرار… وهذا، وحدَه، يُمَنّي الناسَ بتحسينِ أوضاعِهم.

 

إنّ المواجهةَ التي أطلقَها صاحبُ الغبطةِ، ليسَت انقلاباً أو تمرُّداً، بالمفهومِ السَّلبيّ لهذَين المفهومَين، وليسَت، كذلك، أهازيجَ ناريّةً يستفيقُ الناسُ، بعدَها، على خيبةٍ ووعودٍ غيرِ مترجمة. إنّ أهميّتَها تكمنُ في أنّها تشكِّلُ مشروعاً إصلاحيّاً حقيقيّاً، أو عمليّةَ بناءٍ للوعي الوطنيّ، بدأت بالتّدليلِ على مواقعِ القبحِ في الدولة، والاستبداد في السلطة، والاستئثار في موقعِ القرار، وعقليّةِ التميّزِ والإلغاء، ثمّ انتقلَت الى دعوةٍ للانخراط في عمليّةِ نقلةٍ نوعيّةٍ تساهِمُ في الوصولِ الى حُلولٍ لا التباسَ فيها، تنقلُ الوطنَ الى حالةِ القيامةِ المُرتَجاة.

وقفة البطريركِ، في الرابع والعشرين من تمّوز، هي المسيرةُ الوطنيّةُ المُنقِذَةُ التي ينتظرُها الجميع.

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل