التاريخ صناعة

يخطئ من يعتقد انه يمكنه كتابة التاريخ مهما كان قويًا متكبرًا. التاريخ كآلة النول، يضيف قطبة جهد الى جانب قطبة جهد آخر، ويزيد بطول قماش الوطن خط كرامة فوق خط مستقبل، بالإضافة الى أن التاريخ يسير بخط مستقيم نحو الأمام على الرغم من أنه يروي الماضي.

أبرز الفلاسفة الأميركيين الذين درسوا حركات الجماهير وطبائع المجتمعات، إيريك هوفر، قال: “كل الدعاة والمبشرين ورجال المخابرات في العالم يصطادون من بحيرة واحدة، هي بحيرة الإحباط في المجتمع”.

فها إن شعبنا اللبناني يعيش في إحباط لا مثيل له، فهو محبط من مسؤوليه السياسيين لتقاعسهم عن استنباط الحلول، ومن نواب الأمة ووزرائها لفشلهم في إقرار القوانين. نعم، إنه محبط من قضاته بسبب إصدارهم أحكام باسم من وظّفوهم بدلًا من إصدارها باسم الشعب اللبناني. الشعب محبط من إداريّيه الذين يفتشون عن كيفية اقتناص الفرص لكسب غير مشروع بالرشاوى لتسيير شؤون الناس، ورجال أعماله وتجاره المستمرين بأعمال الاحتكار لأصنافه كافّةً، وسبله الآيلة لتحصيل المكاسب الإضافية على حساب الفقراء. وهو محبط أيضًا من المصارف وأصحابها ومدرائها الذين ما فتئوا يصادرون تعب سنوات الموظفين والمغتربين ويتقاذفونهم كطابة في ملعب كرة قدم فيما بينهم والمصرف المركزي ووزارة المال بعدما أجمعوا على تقاسم الأرباح ورموا الخسائر على الذين لا حول لهم ولا قوة. من دون أن ننسى بأنّهم تمكّنوا من تهريب أموالهم وأموال المسؤولين والشخصيات القادرة إلى خارج البلد.

وفي هذا الظرف يمكن القول إن هذا الشعب محبط من نفسه بعد فشله بتحقيق نتائج إيجابية بعد عدة محاولات فاشلة للتحركات التي قام بها، واخجل أن أقول ثورة لأنها لا تشبه الثورات البتة.

كما أنه محبط من نفسه لوقوعه في فخ الوعود الانتخابية ولم يعمد الى إجراء نقلة نوعية في اختيار أشخاص أكفاء فأعاد مَن ذبحوه في السابق ليعيدوا الكرّة مرارًا وتكرارًا.

وهل يمكن استثناء سفراء ومسؤولي الدول الإقليمية والدولية من إضافة ألوان متنوعة من وصفات الإحباط التي تحتفظ فيها بعقول رؤسائها الذين يهتمّون فقط بمصالحهم الشخصية وبمصالح أصحاب الشركات الضخمة التي يروّجون لها، فلم تعد كلمة الخير العام صالحة للتداول في هذه الظروف المصيرية القاسية.

أما في عملية استنباط الحلول، فعلينا الانطلاق من نقطتين أساسيتين:

إيقاف عمليات النقّ المتواصلة غير المفيدة

الاعتراف بالمشكلة لتسهيل إيجاد الحلول

الدولة المؤلفة من ارض وشعب ومسؤولين لم يعترفوا حتى الآن بالمشكلة، بل يقفون على أطلالها ينوحون ويندبون في محاولة للتملص من المسؤوليات أو إلقائها على الآخرين.

لذا اقتضت الإشارة الى وجوب عقد اجتماعات على مستوى بلديات القرى لتعداد المشاكل من مختلف الأنواع واقتراح الحلول المناسبة لها، ومن ثم ترفع الى السلطة الأعلى إداريًا، فتصل هذه المشاكل مصحوبة بحلولها الى مجلس الوزراء لاتخاذ القرارات المناسبة بشأنها بعد دراستها وتبيان الجيّد من الحلول دون مماحكة أو نكدية، على أن يتولى مجلس النواب في مرحلة لاحقة إصدارها بقوانين لتصبح عامة.

كما يجب ألا يستثنى من هذه الخطوة الوزرات والمؤسسات الرسمية والحكومية كافّة، فنكون قد بدأنا بصناعة المستقبل بخطوات ثابتة، حتى ولو كان تقدمنا بطيئًا. هكذا نعطي أولادنا وأحفادنا فرصة عيش حاضر ومستقبل مشرف، وبالوقت عينه يمكننا القول إننا كتبنا وصنعنا بأنفسنا تاريخنا.

التاريخ صناعة، لا بل حرفة فنية يُعمل من خلالها على تحقيق المواقف الصحيحة الواحد تلو الآخر، بحيث تصبح الصورة واضحة وشاملة أمامنا.

فعلى أمل أن نتعلم ونتعظ، حتى نحظى بشرف كتابة التاريخ من خلال صنع المستقبل، فكلاهما صناعة فاتقونها وابتعدوا عن التجارة لنربح وطنًا نعيش ونموت فيه بدل الهروب منه الى المهاجر ونتحول الى متسولي أوطان، وباحثي مستقبل لأولادنا ولما تبقى من حياتنا. ومَن له أذنان للسماع … فليسمع!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل