.jpg)
يبدو أنّ عالم الأرقام بات يستهوي الصحافي غسان سعود، فقد واظب قبل الانتخابات النيابية على الظهور في الإعلام بشكل متكرّر، ليُقدّم تحليلاته وتوقّعاته للنتائج في كافّة الدوائر، إذ تمترس خلف تفاصيل الدوائر الانتخابية كخبير إحصاءات، جازماً فوز هذا وسقوط ذاك، وواضعاً خارطة لتركيبة البرلمان الجديد وأحجام التكتلات النيابية.
لكن، وبعد إعلان النتائج الانتخابية، تبيّن أنّ كلّ ما عرضه سعود وتوقّعه لم يصب بشيء، إذ مُنِيَت تحليلاته بفشل كبير مُشابه تماماً للفشل الذي لَحِقَ بالتيار الوطني الحر الذي ينتمي إليه ويروّج له حملاته السياسية، وقد اعترف بإحدى مقابلاته التي تلت الاستحقاق النيابي عن صدمته من خيارات اللبنانيين.
اليوم، يعود سعود إلى لعبة الأرقام لكن هذه المرّة ليس من باب التوقّع بل من باب القراءة، عبر مقال نشره في صحيفة الأخبار تحت عنوان “قراءة في نتائج انتخابات 2022: القوات نالت ثقة أقل من %10 من المقترعين” بتاريخ 26 تموز 2022.
صحّة الأرقام التي تضمّنها المقال ليست سوى عملية نسخ عارية للنتائج الرسمية التي وضعتها وزارة الداخلية والبلديات على موقعها الرسمي، ولكن إن كان هدف سعود تحليلها لتبيان مدى شعبية “القوات” فقد اعترت العملية شوائب عدّة أهمّها:
أراد سعود أولاً، أن يُظهر عدميّة التمثيل الشعبي لـ”القوات” مع قوله إنّها حصدت أقل من %10 من ثقة المقترعين، وقد فاته ومن باب المهنيّة أن يعرض نتائج بقيّة القوى، بحيث تُبيّن قراءة الأرقام بأنّ معراب حازت على صدارة الثقة المسيحية وبفروقات كبيرة عن أقرب منافسيها، بينما جاء “الوطني الحر” ثانياً مع نيله %6.68 من أصوات المقترعين، عدا عن أنّ رقم “القوات” قد بلغ %10.34.
ومن الأخطاء التي وقع بها سعود في مقاله هي عرضه الأرقام من دون تفنيد الأصوات التفضيلية وفقاً لخيارات الطوائف وهو ما أفقده الحدّ الأدنى للمقاربة العلمية، كون التكوين الديمغرافي في لبنان يُحدّد تنافس القوى السياسية كلّ وفق بيئتها، ما يعني على سبيل المثال، أنّه كان الأولى به أن يفنّد نيل “القوات” ثقة %30 من المقترعين المسيحيين مقابل %20 لـ”الوطني الحر”، خصوصاً أنّ النسبة النهائية التي عُرضت قد شملت فئات ناخبة لم تشملهم معركة معراب النيابية.
كما استكمل الصحافي سعود أخطاءه التحليلية مع عرضه نسبة التأييد التي حصدتها معراب بناءً على عدد الناخبين الإجمالي، من دون أن يُكلّف نفسه ذكر حجم اللبنانيين المهاجرين منذ عقود والذين لا يملكون أوراقاً تخوّلهم المشاركة في العملية الانتخابية أو العرقلة التي مارسها “الوطني الحر” في وزارة الخارجية لمنع مشاركة غير المقيمين أو حتّى ذكر مسألة الأخطاء التي تعتري لوائح الشطب والتي تجعل مع سابقاتها رقم الناخبين مرتفعاً، مع العلم أنّ المقاربة العلمية تتطلّب الاستناد إلى حجم المشاركين.
السّطحية التي غلّفت مقال سعود لا تختلف عن القراءات الخاطئة التي حكمت إطلالاته قبل الانتخابات، لكنّها اليوم قد أكّدت حضورها في ذهنه الرّقمي خصوصاً أنّه لم يتكبّد عناء مقارنة نسبة الثقة التي نالتها “القوات” في هذه الدورة مقارنةً مع سابقاتها، ولا يُخفى على أحد بأنّ شتّى مطّلع على الشأن السياسي المحلّي يُدرك تماماً بأنّ الثقة التي منحها الشعب اللبناني لرجالات معراب وحكيمها قد تضاعفت بقدر ما تضاءلت في ديار ومطابخ سعود وتيّاره.
ختاماً، لا بُدَّ من دعوة صريحة للسيّد غسان سعود، كي يبدأ دروساً في عالم الإحصاء والأرقام علّه ينجح في فقه أصول هذا المجال الذي لا يحتمل لا الاستنسابيّة ولا الخزعبلات، وعلّه يُدرك أنّ “خبير الإحصاءات” هو مَن تسلّح بالموضوعية لا بنقيضها.
