.jpg)
تجهد حكومة تصريف الأعمال لإرضاء موظفي القطاع العام أملاً في تعليق إضرابهم المفتوح الذي يلامس الشهرين ويتسبّب بمزيد من الخسائر ومزيد من العرقلة لشؤون البلاد والمواطنين.
لكن في كل مرة تعرض الحلول تُجابَه برفض مُطبق من قبل لجنة موظفي القطاع العام. وآخر العروض ما أفضى إليه اجتماع السراي عصر أمس من مساعدات ومخصّصات. لكن السؤال، بغض النظر عن موافقة المُضربين أو عدمها: من أين ستأتي الحكومة بالإيرادات لتغطية تلك المخصّصات والمساعدات؟ هل ترسم مشروعاً تضخمياً آخرَ يُعيد تجربة سلسلة الرتب والرواتب الأليمة التي أدّت ما أدّت إليه من تضخّم واهتزاز الخزينة العامة؟ علماً أن القاصي والداني يُدرك أن لا خيارات اليوم أمام الحكومة للتمويل، إذ تندر مصادر الإيرادات إن لم نُقرّ بالاستحالة… وما التأخّر في إقرار مشروع قانون الموازنة للعام 2022 سوى لعدم إيجاد الإيرادات اللازمة لتغطية النفقات، لذلك لا يزال المشروع معلّقاً منذ شباط الماضي.
ويُعرِب رئيس قسم الأبحاث الاقتصادية والمالية في بنك بيبلوس الخبير الاقتصادي نسيب غبريل في حديث لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، عن تأييده أي دعم للقدرة الشرائية للمواطن، “لكن هذا الدعم يبدأ بلَجم التضخّم، الأمر الذي يعزّز القدرة الشرائية، قبل زيادة الرواتب والمساعدات الاجتماعية”، معتبراً أن “الحدّ من ارتفاع الأسعار يشكّل المدخل إلى تحسين القدرة الشرائية للمواطن”.
ويُشير إلى أن “إضراب القطاع العام ليس مستجداً، فموظفو مؤسسات الدولة يداومون في عملهم مرة واحدة في الأسبوع أو ثلاث كحدّ أقصى منذ أكثر من سنة، ما أخّر معاملات المواطنين الرسمية وعطّل بعضها وأرجأ تأمين إيرادات للخزينة”.
ويُلفت إلى أن “التعطيل الكامل لمؤسسات الدولة جراء الإضراب المفتوح، يتسبّب بخسائر كبيرة يوميّة في إيرادات الخزينة”، ويدعو إلى “الاتعاظ من سلسلة الرتب والرواتب في العام 2017 والتي جاءت بناءً على قرار سياسي ـ انتخابي وقد سوّق مُعِدوها أن كلفتها لا تتعدى الـ800 مليون دولار فيما بلغت كلفتها لاحقاً مليارين و300 مليون دولار سنوياً، وأدّت إلى مضاعفة العجز من 3 مليارات دولار في العام 2017 إلى 5 مليارات و800 مليون دولار في العام 2018″، مذكّراً هنا بأن “قانون الضرائب الصادر العام 2017 والذي أدّى إلى زيادة عشوائية للضرائب حينها وإلى إعادة توزيع ضخم للدخل من القطاع الخاص إلى القطاع العام، شكّل الشرارة الأولى لأزمة السيولة وأزمة الثقة في تشرين الأول 2019”.
ويُضيف، إنها فرصة ليس للسلطة التنفيذية وحسب، بل أيضاً للعمال المُضربين والمنتِجين كي يطالبوا بإصلاح القطاع العام من خلال إلغاء الوظائف الوَهميّة لأن الآلاف منها تقضم من رواتب الموظفين المُنتِجين حقاً… من دون أن نغفل أن أحزاب السلطة أدخلت إلى مؤسسات الدولة 32 ألف شخص بين 2014 و2018. لذلك عليهم أن ينتَهِزوا الفرصة للمطالبة بإلغاء آلاف الوظائف الوهميّة.
ويعتبر أن “الحكومة أيضاً أمام فرصة سانحة لتفعيل مصادر الإيرادات للخزينة العامة كانت أهملتها الحكومات المتعاقبة، كمكافحة التهرّب الضريبي، وتفعيل الجباية، ووقف التهرّب الجمركي، وتطبيق قوانين بالكامل لا جزئياً، التهريب عبر الحدود، تقليص حجم الاقتصاد الموازي بحيث مصانع وشركات ومؤسسات لا تصرّح عن دخلها ولا تدفع الضرائب المستحقة في ذمّتها.
ويرى أن “الحل ليس برفع معدّل الدولار الجمركي لزيادة أموال الخزينة، إذ تُظهِر الأرقام الأخيرة للمالية العامة، أن كتلة الرواتب والأجور والمخصّصات ومعاشات التقاعد للقطاع العام تشكّل نحو 60 في المئة من النفقات العامة”، ويقول، الموظفون المنتجون بحاجة إلى دعم قدرتهم الشرائية كأي مواطن لبناني، لكن لا يجوز أن يتم بالطريقة المطروحة اليوم.
ولم يغفل الإشارة إلى أن “مصرف لبنان لا يزال منذ آذار 2021 يحاول ضمن الإمكانات المحدودة لديه، لجم التضخم من خلال سحب السيولة بالليرة اللبنانية من السوق، فالتعميم 161 هو إحدى وسائله لتحقيق ذلك. ولاحظنا أن خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة استطاع مصرف لبنان أن يسحب ما يناهز 4 آلاف مليار ليرة من السوق. وعلى الرغم من ذلك، نرى أن نتائج مؤشر الأسعار الاستهلاكية ارتفع بنسبة 210% في الأشهر الستة الأولى من هذا العام”.
ويؤكد أن “هذه المقاربة على الرغم من أحقيّتها، يجب أن تجري بتروٍّ وعقلانيّة، كي لا تتكرّر النتائج التي أفرزها إقرار سلسلة الرتب والرواتب مع سوء تقدير كلفتها وتداعياتها اللاحقة على الاقتصاد اللبناني”.
من هنا، على موظفي القطاع العام أن يعلموا أن أي قرار متهوِّر أو سريع لإعادة العمال إلى وظائفهم، قد يؤدي إلى زيادات تضخميّة بل إلى ردود فعل عكسيّة”، يقول غبريل “ففي حال زادت الأجور بهذه الطريقة وارتفع معدل التضخم وارتفعت الأسعار من دون أي رقابة كما هو اليوم، عندها ستؤدي هذه الزيادة إلى تبخّر القدرة الشرائية أيضاً، وبالتأكيد ليس هذا هدف العمال والموظفين بل تحسين قدرتهم الشرائية، وهذا حقّهم الطبيعي”.
ويشدد في السياق، على وجوب “وقف آلاف الوظائف الوهميّة والوظائف التي تم حشرها في مؤسسات الدولة من دون جدوى، فهذا الوفر في النفقات يساعد على زيادة المخصّصات والمساعدات لهذه الشريحة المنتِجة في القطاع العام”.
وعما إذا كان مصدر تمويل تلك المساعدات عبر طباعة الليرة، يقول غبريل “إذا تم اللجوء إلى طباعة الليرة فذلك سيتسبّب بتعطيل دور مصرف لبنان الذي يقوم به منذ آذار 2021. فلا يمكن اتخاذ هذا الإجراء بمفرده بدون إجراءات أخرى بالتوازي ومنها فرض رسم الطائرات وفق سعر صيرفة أو السوق الموازية مما يوفّر ملايين الدولارات للخزينة، إلى جانب المصادر الآنفة الذكر. لكن من المؤكد أن أي زيادة للضرائب ليس الحل على الإطلاق لأن زيادة الضرائب لا تزيد إيرادات الخزينة وهذا مبدأ اقتصادي معروف، بينما الضريبة يجب فرضها على المحتكِرين والمهرِّبين.