هدر دم الوطن

لسنا نشكُّ في أنّ اللبنانيّين، أو أكثرَهم، يرفضونَ الخُنوعَ والإِخضاعَ والإِجبارَ والقَهر، بحُكمِ إيمانِهم بالحريّة، وبتَوقِهم الى مجتمعٍ تسودُ فيهِ مبادئُ العدالةِ والإستقرارِ والأمان. وهم يعلمون، أيضاً، أنّ الإستبدادَ سَبَبٌ أساسيٌّ للتَخلّفِ والإنحطاط، وتعميةٌ للوَعيِ أمامَ أفكارِ التّنويرِ، وشَلٌّ لمواكبةِ النّهضاتِ والتطوّر. وتوازِياً، هناكَ مَنْ يعملون على إنضاجِ خطّةٍ تبدأُ بالقَضمِ التّدريجيّ، توصُّلاً الى هيمنةٍ كاملةٍ على مساحةِ البلاد، مُستخدِمينَ أساليبَ مُرَوِّعةً، لتمتينِ تسلّطِهم، وفَرضِ الطّاعةِ على الشّعب.

إنّ غيابَ المُواطَنة، وثقافةِ الإنتماء، أدّى الى تَغييبِ مفاهيمِ السيادةِ، والحقِّ الكيانيّ، ما قادَ، حُكماً، الى قيامِ منظومةِ التحكّمِ الأَشرَسِ بالمصائر، والإستئثارِ المُطبِقِ بالسلطة، ونَسفِ قواعدِ الحُكمِ والدولة. أمّا الرّبيعُ الموعودُ فهو المُستنِدُ الى شجاعةٍ متنوِّرة، ومواجهةٍ تنسحبُ على مكوِّناتِ الوطنِ بأَسرِه، تشكِّلانِ أولويّةً مُطلَقَةً لِصَدِّ عسكرَةٍ جائرةٍ أفقدَت مجتمعَنا الحريّةَ والخبزَ معاً.

أمّا مسألةُ هَدرِ دَمِ الوطن، بمعنى استباحةِ وجودِهِ، وهويّتِهِ، فهي ليسَت نوعاً من أنواعِ القَصاصِ، فحَسب، بقَدرِ ما هي قضيةٌ مرتبطةٌ بدوافعَ، وأهداف. لقد رأى بعضُهم أنّ لبنانَ الذي سوَّلَت له نفسُهُ الخروجَ عمّا سادَ في المجتمعاتِ العشائريّةِ البائدة، من أُصوليّةٍ متزَمِّتةٍ، ليبلغَ عصورَ الحداثةِ، والقوانين المدنيّة، وشكلَ الدولةِ الدّستوريَّ، قد وقعَ في المَحظور، فشكّلَت له فِعلتُهُ، هذه، تهمةً لا بُدَّ من فَرضِ عقابٍ ” عادلٍ ” لها، هو سَفكُ وجودِهِ الحرّ، والرّاقي، وقد بُرِّرَ العقابُ بالإساءةِ الى التّقاليدِ، أو الخيانة بالتّعامُلِ مع العَدوّ، أو التعدّي السّافِرِ على المُحَرَّمات… ولكنْ، بدونِ سَنَدٍ مُقنِع !!!

لكنّ الدّوافعَ الصّريحةَ، والأهدافَ التي لم تَعُدْ مُقَنَّعَة، فقد طافَت حقيقتُها على السَّطح، ولم تَعُدْ تَخفى على ذي عقل. ومفادُها أنّ الحالةَ اللبنانيّةَ التي كان الكثيرونَ يرَونَها نَعيماً، باتَت على كَفِّ الخَطر، مع تَسَرُّبِ إيديولوجيّةٍ غريبةٍ عملَت على ضربِ الأنموذجِ المُمَيَّز، لاستبدالِهِ بطَرحٍ هَجينٍ لا يَمَتُّ الى الحقيقةِ اللبنانيّةِ بِصِلَة. وإذا أصبحَ هذا الشّأنُ هاجساً يقضُّ مَضاجعَ الغالبيّةِ من النّاس، عندَنا، فلأنّ الشَّعبَ ما عادَ مُلتَبِساً عليهِ مُقتَضى الوضعِ الرّاهن، من انحدارٍ دراماتيكيٍّ سياسيٍّ وكيانيٍّ، يغلبُ عليهِ طابعُ الجنايةِ على مصيرِ الوطنِ بالذّات، لتَعبرَهُ الأَغلالُ، والأسلاك، فلا يُصَدِّقُ أنّ اليومَ الثالثَ مُمكِن.

إنّ هدرَ دَمِ الوطنِ يعني، صراحةً، استيلاءَ دولةٍ على دولة، بالوسيلةِ المَفروضة، لجعلِها محميّةً مسلوبةَ الحريّةِ والقرار، ولبَسطِ حالةٍ إنتدابيّةٍ نيوإمبرياليّةٍ تودي بالهويّةِ اللبنانيّة، وتهشِّمُ شرعيّةَ الدولة، وتهدمُ مكتسباتِ التقدّمِ والانفتاح، من حقوقٍ وحريّاتٍ وعدالة، وتُعيدُ البلادَ الى عصورِ الخلافةِ والإمبراطوريّات. من هنا، لا يمكنُ تَصَوُّرُ مشروعِ هَدرِ دَمِ الوطنِ إلّا غَزواً موصِلاً الى تَبَعيّةٍ لخارِجٍ يُجبِرُ على الاصطفاف خلفَ مشروعِهِ، وتَدجيناً بالقوّةِ لِفَرضِ الولاءِ لهذا الخارِج بالذّات.

هذه التّراجيديا التي يسعى أَدعياءُ العقيدةِ المستَورَدةِ الى فَرضِها على اللبنانيّين، تقودُ الى إشكاليّةٍ مُلزِمَةٍ هي: هل نَحَرَ بعضُ البَلَدِيّين ثقافةَ الإنتماءِ الى وطنِهم، وتلاشَت في نفوسِهم قِيَمُ المُواطنة، فأعلنوا ارتهانَهم لحِصارٍ نَزَّفَ لبنانَ سِيادتَهُ ؟ هل يَبَّسوا النّشيدَ الوطنيَّ فوقَ شِفاهِهم، لأنهم لم يُطلِقوه أساساً، إِنْ فَعلوا، إلّا إصطناعيّاً ؟ إنّ نكبةَ البلادِ تُختَصَرُ بأولئكَ الذينَ أعادوا الوصايةَ إليها، بعدَ أن أُخرِجَت بالنّضال، وكأنّ الوطنَ نَفَخَ فيه الشيطان، فصَمَتَ حاكِموهُ كِفراً، واستسلموا لفسادِ حسِّهم الوطنيِّ استمراراً لتَشَبُّثِهم بالسّلطة، ووصولاً الى غاياتٍ ومصالحَ لا علاقةَ لها بالأداءِ المستقيم. إنّ انقلابَهم على مفهومِ استقلالِ البلدِ كما أقرَّهُ التاريخُ، والمنطقُ، والثقافةُ، والدَّم، يقودُ الى الألمِ والخيبة، ويؤكِّدُ على ضَربِهم مقوّماتِ الدولة، وتسليمِهم مفاتيحِها الى عَرّابٍ إلغائيٍّ، ناكِثين بقَسَمِهم الذي هو قوامُ الشَّرَف.

لا معنىً، إذاً، للحديثِ عن مسؤوليّةِ مَن في السلطة، فسلوكُ الكبرياءِ الوطنيِّ، وممارسةُ الكرامة، إمّا يكونانِ من دونِ اجتهاد، أو لا يكونان. لذلك، فالمَطلوبُ هو خَضَّةٌ مفصليّةٌ تُعيدُ البلادَ الى الصحّةِ الوطنيّة، وهي خضَّةٌ باتَت إلزاميّةً، تُبدِّدُ شُرعةَ قايين، وتنحرُ طقوسَ الهمجيّةِ، وتُجهِزُ على مشروعِ هَدرِ دَمِ الوطن، وتُفَتِّقُ أقبيةَ القهرِ والتّطويع، وتسحبُ امتيازَ تصفيةِ الكيانِ من وَكرِ الشّيطان…

إنّ أيّاً كان لا يملكُ حقَّ التصرّفِ بحياةِ لبنان، فلا ترحيلٌ للمواجهةِ الى زمنٍ آخر، فالقائدُ موجود، والمتعَطِّشون الى الوطنِ كُثُر.     ​

خبر عاجل