اللاجئون من أزمة الخبز إلى مسؤولية الانهيار

 

كررت ازمة الخبز وتهريبه الى سوريا كما قال رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الاقتصاد امين سلام ما تعرض له لبنان من استنزاف للمواد التي بدأت بدعمها بطريقة عشوائية حكومة حسان دياب وكذلك لتهريب الدولارات من اموال المودعين الى سوريا حين كان وضع سوريا بالغ التردي ، ولاحقا ازمة المحروقات الصيف الماضي حين وقف اللبنانيون في طوابير لكيلومترات حتى رفع الدعم . لم تظهر الدولة اللبنانية منذ بدء الثورة السورية ضد النظام التي قمعها بالقوة العسكرية اي رغبة او قدرة على البحث في التداعيات المحتملة وكيفية نجاة لبنان منها علما ان عواصم عدة اغتبطت بعد مرور الاعوام على بدء هذه الثورة لعدم اشتعال لبنان او انتقال الحريق السوري اليه . يشبه خبراء ماليون المفاجأة التي اخذت لبنان حينذاك بتلك التي اخذت العالم في الاشهر الاخيرة من الحرب الروسية على اوكرانيا، انما مع فارق مسارعة الدول المتأثرة على نحو مباشر الى وضع الدراسات والخطط لتدارك التداعيات او الحد من الخسائر . ويخفف القول بتهريب ما يتوافر للبنان الى سوريا المفتقرة بقوة الى ادنى مقومات العيش عن المسؤولين اللبنانيين مسؤوليتهم او ربما هم يعتقدون ذلك علما ان احدا لم يسمع باي اجراءات لمنع التهريب او حتى لمراقبة الحدود منعا لتسلل اعداد اضافية من السوريين والاقامة في لبنان . وادهى البديهيات في ظل الصراخ وان المحق، حول عبء اللاجئين السوريين الا يتم اتاحة اضافة المزيد او مراقبة المعابر لمنع تنقل اللاجىء في الوقت الذي تصم تصريحات رؤساء تيارات واحزاب الاذان باقتراحات مماثلة لم يشهد احد العمل الجدي لترجمتها على الارض ، ليس الا في اطار الشعبوية المعتمدة في موضوع اللاجئين السوريين . وقد ترك الكثير من هؤلاء الرؤساء الحزبيين انطباعات قوية ازاء تحميل اللاجئين مسؤولية الانهيار المالي في البلد على غير ما يرى خبراء الوضع على هذا الصعيد . هل يفترض الا يغضب الناس على المسؤولين نتيجة فشلهم بل على اللاجئين ؟

 

لا يختلف اثنان على ان ازمة اللاجئين انهكت لبنان وكذلك تهريب الموارد الى سوريا التي يتحمل لبنان اقتصادها ايضا . ولكن هناك أمورا عدة تسببت في الازمة المستمرة كما في الانهيار باعتبار ان لبنان يعاني منهما معا ، علما ان تبادل الاتهامات يساهم في تعمية الحقيقة امام اللبنانيين وحتى امام الخارج . الا ان الحقيقة ، وفقا لخبراء سياسيين ماليين ان لبنان كان يعيش دوما مرحلة من الصعوبات السياسية والاقتصادية التي لم تشكل ازمات ولكنه محاط بنظام سياسي ومالي لا يحل الازمة . وهذه الاخيرة تتحسن احيانا وتتراجع احيانا اخرى . اذ بين 2007 و 2010 تحسن الوضع جدا وكان يمكن انذاك اجراء عملية تغيير للنظام المالي وابداء مرونة في سعر صرف العملة اللبنانية بحيث تحافظ على الاقتصاد وتستوعب الصدمات . الانتقال انذاك كان ممكنا لان المصرف المركزي كان يملك 9 مليارات دولار صافية له وكتلة نقدية بالدولار توازي 23 مليار دولار . وهذا يعني ان هذا كان يشكل 60 في المئة من الاقتصاد اللبناني. وكان لينجح المصرف المركزي في ذلك لعجز الاخرين عن مواجهته . في 2011 نشبت الحرب السورية وما كان يتاح لبنان للتعويض في الازمات هو اولا ميزان المدفوعات الذي كان يستدرج اموالا كبيرة وثانيا حركة توظيف عالية خارج لبنان. انذاك ادى ارتفاع اسعار النفط والتحولات السياسية في البلد الى اقفال دول الخليج الابواب المتاحة امام لبنان وفقدنا التدفقات ، ما اضطر المصرف المركزي الى تغطية العجز في ميزان المدفوعات واضطر الى دعم الاقتصاد. وبدأت تتراجع القدرة المالية للمصرف المركزي في حين انه لم يحصل اي تطور سياسي ايجابي في البلد بل على العكس . اذ بعد اتفاق الدوحة في 2008 الذي اعطى السلطة للمعطل، دخل لبنان رسميا من الباب العريض في اطار شرعنة ادارة التعطيل السياسي الذي كان بدأ في 2007 و 2008 ما عطل اي خطوة اصلاحية . بدأ التعطيل على قاعدة عدم الاهتمام باي ما يمكن ان يحصل في البلد ومن اجل تحقيق المصالح فحسب وحصل ذلك في تأخير الحكومات لاشهر طويلة مرارا وتكرارا وصولا الى عامين ونصف من التعطيل الرئاسي من دون ان يأبه المعطلون لا للوضع الاقتصادي ولا للوضع المالي . وهذا كله كان له كلفة باهظة بحيث ان انتخاب العماد ميشال عون بعد كل التعطيل الذي جرى لم يؤد الى الاتفاق على مشروع واحد بل تكررت المشاريع كما في الكهرباء على سبيل المثال في كل الحكومات بالعودة الى النقطة الصفر .

 

اختار العهد استباقيا تحميل الرئيس رفيق الحريري وسياساته الاقتصادية السبب في الانهيار نتيجة حساباته الخاصة ربطا برفضه اتفاق الطائف الذي كان الحريري ابرز صائغيه وتحييدا للانظار عن كلفة سياسة التعطيل التي اختارها لمساره السياسي بعد توقيعه تفاهم مار مخايل . ولاحقا وبعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ، نجح فريقه ببراعة في تحويل الانظار عن اسباب الانهيار الى المصرف المركزي وقطاع المصارف لا سيما بعد احتجاز اموال المودعين نتيجة اخطاء فادحة لقطاع المصارف الذي احبط الفكرة عن تمتعه بالذكاء والحنكة.

 

هناك ممارسات سياسية ساهم فيها الجميع وابرزها للحليف الاستراتيجي للعهد اي ” #حزب الله” ، ولكن اكثر ما يتم التركيز في زاوية المسؤولية على العهد الذي وصل مع افتراض معرفته اين يضع قدميه على الصعيد الاقتصادي فيما ان خبراء ماليين دوليين نقلوا له تحذيرات قوية في 2018 عن المخاطر التي يتجه اليها البلد ، فاكتفى بالقاء التهم على مرجعيات سياسية اخرى فحسب . والمسؤولية تكبر مع التعرض الى موقع رئاسة الحكومة والسعي الى طمسها وفق ما تؤشر ممارسات العهد بما يجعله المسؤول الاول في الواجهة ولو نأى بنفسه عنها . وموضوع اللاجئين المثقل على لبنان لم تتم ادارته على نحو مسؤول بحيث من المؤكد والمحسوم ان العهد يسجل لنفسه انه استمر رافعا لواءه على رغم معرفته الجيدة انه موضوع ابتزاز للاسد في سعيه الى مقايضة الغرب باستعادة شرعيته من بين مسائل اخرى .

المصدر:
النهار

خبر عاجل